اقليّة…
نوفمبر 25, 2009 at 7:40 م | In Uncategorized | 3 Commentsهذه الكلمة المليئة بالشجن و الغربة… ذلك الشعور الذي لا يعرفه الا من جربه…
حين تنتمي الى اقلية، فان ظل الغربة الثقيل لا يفتأ يحلق فوق رأسك… مهما كان من تعيش بينهم طيبين و كرماء و مرحبين… فهم ليسوا العنصر الوحيد في المشهد…
هناك البعد… و هناك اختلافك عن البقية…
هناك لسان تتحدث به مع جدك المكدود الأشيب القديم قدم اللغة التي يتحدث بها، و لسان تتحدث به خارج بيتك… هناك رائحة قديمة دافئة تشمها داخل بيتك، و تفتقدها تماماً في زحام روائح المدينة…
اكتشفت انني لست الا مجموعة متداخلة من الأقليات…
قبل أيام، زارنا افارب من وطن الأجداد… هم ليسوا اقارب بالمعنى المباشر، كأن يكونو ابناء عمومة او أخوال او شيئاً من هذا القبيل… و هنا مربط الفرس…
فضمن اقليتنا العرقية و الثقافية، انا انتمي لعائلة صغيرة جداً… عدد افرادها قليل جداً… أي ان عائلتي هي اقلية ضمن عرقيتنا…
و ضمن عائلتنا، ليس لنا اقارب مباشرون… فوالدي وحيد لأبيه… و اقرب افراد عائلتنا اليه هو ابن عمه و ابنة عمه… و بعد ذلك فان الجميع هم “ابناء عمومة” نلتقي مع اقربهم في الجد الخامس أو السادس، و حتى هؤلاء، فهم ليسوا اكثر من خمسة عائلات…
لذلك، فان كثيراً من المفاهيم التي تبنى المجتمعات المحيطة على اساسها لا وجود لها في حالتنا… فلو قلنا “مين خلف ما مات”، فبناءً على ذلك ابي مات منذ زمن بعيد! اذ انه ليس لي اخوة ذكور…
ضيوفنا الذين اتوا من وطن الأجداد، حدثونا عن الوطن… و وصفوا لنا كيف اننا حتى في وطننا… اقلية!
مؤلم هاجس الغربة حين يلازم الانسان كظل حار ثقيل يجثم على انفاسه…
قبل ايام، فكرت بالتالي: احمل شهادة بكالوريوس في الاتصالات… و ادرس الآن ماجستير العلاقات الدولية…
سانتهي من دراستي، ثم سأسافر الى البلد الذي يحتوي الاقليم الذي ننحدر منه، و احصل على جنسية و جواز سفر.
ثم ساحصل على الدكتوراة في العلوم العسكرية من كلية ساند هيرست.
ثم سأعود الى وطني بمنصب عريق و ذي نفوذ، و اعيد جميع ابناء شعبي الى هناك…
و اشرع قوانين تضمن الحفاظ على الجميل مع بلدان الشتات التي نشأنا و ترعرعنا فيها و كبرنا من خيرها و امنح سكانها امتيازات تسمح لنا باستضافتهم و اكرامهم و رد الجميل اليهم.
ليت الأمر بهذه البساطة!…
متفرقات…
نوفمبر 16, 2009 at 9:30 م | In Uncategorized | 9 Comments* موسم الهجرة الى الشمال
رواية السوداني الطيب صالح… قرأتها في يوم واحد… قبل خمسة أيام…
اثارت الكثير و الكثير من الأفكار في رأسي… أويت الى النوم بعدها فوراً لأن رأسي كان سينفجر!
مصطفى سعيد…
لا أدري هل قصد الكاتب أن يقدمه لنا كشخصية سلبية؟ أم انه ترك القرار لنا؟
بالنسبة لي لم يكن مصطفى سعيد شخصاً سيئاً أبداً! كان غريباً… مختلفاً… لكنه لم يكن سيئاً!
كان ذكياً في مجتمع لا مجد فيه للعقل… كان لامعاً في وسط لا يبصر تألقه… اختار لذلك ان يرحل نحو الأرض التي قد تثمن عقله الحاد و تشبع نهمه…
عاش في الشمال، أرض البرد و الصقيع أمجاداً عظيمة… الّف و نظّر… حظي بشعبية كبيرة… كان له تلاميذ… جمهور و أتباع…
ثم عاد… و تزوج سودانية من قرية بسيطة… حسنة بنت محمود… و عاش حياةً بسيطة… عاش فلّاحاً…
هل اوقعها حظها العاثر مع مصطفى سعيد؟ هل نفهم ان طبيعة مصطفى سعيد “المختلفة” افسدتها حين رفضت الزواج من سواه؟ هل كان مصطفى سعيد سبباً في خروجها عن قالب “التقاليد” و ما هو مقبول؟
لم يفسد مصطفى سعيد زوجته السودانية… لكنها -على انها لم تصل الى ما وصل اليه- سبقت مجتمعها الذي تعيش وسطه… نعم، ان معرفتها بمصطفى سعيد كانت سبباً في انها خرجت على المألوف… لكن ما فعلته ليس شيئاً مذموماً…
رحل مصطفى سعيد… مات في الأغلب… مات “مختاراً” موته… و زوجته من بعده لم ترضَ ان تتزوج من سواه… و حين اجبروها على ذلك، قتلت نفسها و قتلت من اجبروها على الزواج منه… الا انّها… طلبت من والد الراوي ان يزوجها لابنه!
الراوي… الذي احتفظ الطيب صالح بشخصه سراً… و لم يسلط الضوء عليه ابداً الا كمراقب للأحداث، فيما عدا هذه الالتفافة الأخيرة! حين طلبت حسنة من والد الراوي ان يزوجها له و صرحت انها لن تقبل بعد مصطفى سعيد الا به…
الراوي، الذي عاد من بريطانيا، نفس الأرض التي شكلت ماضي مصطفى سعيد، و درس نفس الاطروحات التي درسها مصطفى سعيد… و راقب الواقع بنفس الطريقة التي راقبه بها مصطفى سعيد…
الراوي الذي كان الوحيد الذي فهم الشعر الانجليزي الذي سرده مصطفى سعيد حين سكر بتأثير خمر محجوب… و الذي كان الوحيد الذي امنه مصطفى سعيد على سره… و روى له قصة ماضيه… و سلمه مفتاح حجرته ذات السقف المحدودب و النوافذ الخضراء التي لم يطلع على محتوياتها انساناً سواه…
لا شك ان مصطفى سعيد كان مختلفاً… مختلفاً جداً… متفرداً بالأصحّ…
ولا شك انّ حسنة بنت محمود كانت متيمة به… مأسورة بالنموذج الذي كان عليه… مملوءة انبهاراً به… ولا شك ان الفراغ الذي تركه مصطفى سعيد حين اختار ان يموت كان فراغاً قاسياً… فراغاً من الصعب ان يملأه احد…
لكن ظهور الراوي كان خطيراً… قاسياً جداً و خطيراً… ارعبني… جعلني ارغب في القاء الكتاب بعنف، و اتمنى لو امزقه ارباً و أصرخ بأعلى صوتي: لا… لا… لا… عليك ان تغير هذه النهاية المشؤومة يا طيّب!
(بالمناسبة، اعتقد ان كل الكلام عن علاقات مصطفى سعيد و عن كونه زير نساء حين عاش في بريطانيا، و الاسراف في وصف العلاقات في مجتمع القرية ليس الا صورة مدمجة ادخلها المؤلف بمهارة ضمن نسيج القصة لما يمكن ان نصفه بالنموذج الفكري الاستشراقي، ليس الا. لن يضر نسيج القصة ابداً استئصال جميع هذه التفاصيل. لذلك لم ازعج نفسي بها ولا بالتدقيق عليها)
* الأسمر
حسناً… ربما علي هنا ان اعترف… لكنني لست ادري هل سأعترف الآن ام في النهاية؟
احب اغانيه منذ زمن طويل… لكنني لم اكن مهووسة بفنان كما انا مهووسة به الآن…
انه محبوبي الأسمر الجديد… الذي يرافقني طوال ساعات عملي، و جلوسي في المنزل، و قيادتي السيارة…
ابتسم ابتسامة عريضة لأنني افهم ان السبب هو انت!
حسناً… اعرف ان اي انسان يسمع مني هذا التشبيه -و أنت أولهم- سيتهمني بالجنون!
تمهل قليلاً و دعني اقول ما لدي!ّ
هو ايضاً -مثلي و مثلك- ينتمي لأقليّة عرقية و حضارية و لغوية… يتكلم لغة محلية جداً تقارب على الانقراض… هو ايضاً -مثلك- فنان… هو ايضاً -مثلك- يحمل رسالة و تحمل اغانيه افكاراً عميقة… هو -مثلك- روحاني بطريقته الخاصة… هو -مثلك- يفكر في زمن ركل الناس فيه عقولهم… رايي به -كما هو رايي بك- يثير جدلاً حولي… عدا عن انه نحيف مثلك, و مشيته تشبه مشيتك! و انحناءة ظهره و كتفاه يشبهان انحناءة ظهرك و كتفيك! هو -مثلك ايضاً- مختلف و قوي بما يكفي ليعبر عن اختلافه دون ان يلقي بالاً لما يقوله الناس… هو ايضاً يحمل موسيقى قومه الى الناس…
ربما ستضحك عليّ ان قلت لك انني اضحك كثيراًو انا لوحدي في السيارة… لأنه كثيراً ما يقول في اغانيه اشياء تجعلني اتخيل انه يعرفنا و يداعبنا بذكر اشياء قد قلناها لبعضنا سابقاً!
كيف تفسّر انه يعرف انني همست لك حين كنا في وسط الاجتماع القومي الكبير ان تغلق زر قميصك العلوي؟ اعرف انك بدوت كالطالب المجتهد، و لكن مظهرك بالبذلة و بدون ربطة العنق و بالسلسلة الفضية تطل من فتحة القميص كان كفيلاً بجعل الفتيات يذبن اعجاباً بك!! كان عليك ان تختصر شيئاً من اناقتك و مظهرك الواثق! و ها هو يغيظني و يغني بصوت ملؤه السعادة و التفاؤل: “بفتح زرار قميصي… للنسمة و الأماني”…
و اضحك بخجل حين يقول لي و انا اقود سيارتي: “فين العم الوصي؟ فين الخال الوصي؟ رمشو عدّى مزع لي توبي، و فاتني على النواصي”…
اضحك لأنني اتذكر حين قلت لي ذات يوم: “كيف سأنتظر؟ لن انتظر! سأحملك على كتفي و آخذك الى الشيخ لنعقد قراننا”… و حين قلت لي: “ماذا سيحصل لو خطفتك ثم قلت لأبيكِ انه لن يراك مرة اخرى الا ان وافق ان يزوجكِ لي؟ لن يحصل شيء! ستبكين قليلاً ثم ستسكتين، و ستكونين سعيدة جداً… اعرف انني سأسعدك”…
يعيدني الى لحظات بعيدة حين يقول “بتبعديني عن حياتك بالملل”… يحملني الى الطاولة الصغيرة المستديرة التي كنا نجلس اليها حين قلت لي يوماً: “احذري يوماً ان تصبحي كسائر النساء حين نتزوج… مجرد “امرأة”… ابقي كما انتِ الآن… ابقي نشيطة، متألقة… ذكية و لامعة… و لتبقى اهتماماتك واسعة سعة الأفق… لا تتوقفي عن الانجاز… و شجعيني دوماً ان امضي الى الأمام”…
يقشعر بدني حين يهدد بصوته الجميل: “استمرّي… حتخسريني…”… يذكرني بحزمك حين كنت هنا في اخر زيارة… حين كنت تطلب مني مراراً ان نلتقي… و كنت أنا ارفض… و كان اقصى ما تريده ان تراني و تتحدث الي و تشعر بوجودي… و كنت انا خائفة -كعادتي- من السنة الناس و من ما يمكن ان يهاجمو به مشروع زواجنا امام عائلتي، كنت اخشى ان تصيبني ثرثرتهم في مقتل… للأسف… هذا ما حصل!
يأسرني و استمع اليه بذهول حين يبوح: “و خايف اوعدك ماوفيش… اقلك في تلاقي ما فيش… و اخاف لو قلتي بردانة… اغطيكي باحساسي ما تتدفيش… ده انا قد كلامي اللي هياخدك، من دنيا لدنيا انا قده… لكن لو دمعك على خدك، احلامي معاكي حيتهدّوا… قوّيني و قولي انك ليّا… علشان اتحمل لياليّ… و تعيشي و اعيش”… لا ارى امامي الا انت… اغيب عن العالم و اتمنى لو اجري اليك و احتضنك بشدة… و اقول لك: لا تخف… لا اريد الا انت… لن اجد افضل من حبك يحميني من البرد… لن اجد ابهى من بيتك قصراً اعيش فيه…
انظر الى نفسي… و الى تعلّقي بالأسمر العزيز… الى هوسي به… انظر الى تصرفاتي الغريبة حتى عني… و انظر الى صورتك بعينين متحسرتين… لا اجرؤ على البوح، لكن عيني الدامعتين مليئتان باللوم… و اردد اغنيته بهمس “حبيبي يا نجمة ليلي… يا منور لي السراديب… مكتوب على كف العاشق… روّح بلدك يا غريب”…
* وجه مألوف
لأنني انتمي الى اقليّة…
و لأنني لا أؤمن بالعنصرية… و لأنني لم اكن يوماً منغلقة على نفسي او منفصلة عن مجتمعي الكبير الذي اعيش فيه…
كان لي دوماً عالمان… و شخصيتان… فرق شاسع بين ما هو “عام” سواءً في شخصيتي أو عالمي، و بين ما هو “خاص”…
هناك ما اسعد بالخوض فيه مع الجميع، من اهتمامات مشتركة، و اسلوب تعامل، و سمات شخصية… و هناك ما احتفظ به لنفسي، مطويّاً قريباً من قلبي… لا افتحه الا حين آوي الى نفسي و اغلق شرنقتي على نفسي…
لذلك، فانني -على ما يدعونه بشاشة و انطلاقاً مني- اشعر دائماً بذلك الخيط يشدني الى الخلف… يذكرني ان: “لا تنسي نفسك… انتِ مختلفة… لا تنسي انكِ مختلفة… لا تتجاوزي حدودكِ”… ربما يكون ذلك مبعث قوة، اذ أنني احتفظ بنفسي داخل نفسي، ولا أتماهى مع ما حولي، فتبقى حدودي بالنسبة لي واضحة، و اتعامل مع محيطي بحيادية… فكل ما حولي هو “محيط”، منفصل عني…
يبقى الواقع هكذا… جميلاً مزيّناً… الى ان تقع عينا المرء فجأة على نقطة ضعف مريعة… لا بل هي أسوأ، هي ثغرة… هي تهتك مرعب في اسوار قلعتي الحصينة التي ظننت انني اجلس فيها منتظرة فارساً لا مثيل له…
انتميت الى مجتمع علمي فريد، لا يمت الى مجتمع بلدتي الصغيرة بشيء… و أسعدني ذلك كثيراً، لأنني اريد ان ابقي عوالمي كلها متوازية دون ادنى تداخل يتيح اي شيء من الألفة بيني و بين اي احد، الرجال تحديداً… فزملاء عملي هم اغراب لا يربطني بهم الا زمالة عمل… و زملاء دراستي هم اغراب لا يربطني بهم الا ما نتشارك دراسته من مواد، و تخضع علاقتي بهم لموازين المصلحة البحتة، و اقاربي و معارفي و مجتمعي المحلي هم اصدقاء و أقارب لا املك لهم وقتاً ولا يجد اي منهم ما يشترك به معي من مواضيع لنتحدث بها…
وضع مثالي و رائع تعمدت ان اضع نفسي فيه لأريح رأسي من فوضى العلاقات الاجتماعية و من التفكير في ما حصل بيني و بينك، و من سؤال نفسي الف مرة في اليوم: هل ما زلت متمسكاً بي كما أنا متمسكة بك؟ وضع يتيح لي أن اغرق في مسائل كثيرة و اعطيك بيني و بين نفسي مساحة من الحرية و يمنعني من لومك في المستقبل، و يتيح لي ان ابعد عن عقلي اية افكار سلبية تتعلق بك… بمعني آخرن هو وضع يدخر لك مساحة كاملة من الحرية لتعود مستقبلاً جاهزاً مستعداً دون ان يخطر في بالي ان احدثك في شيء من الماضي…
اختل هذا التوازن المثالي بعنف… و جعلني انظر الى الانسانة الضعيفة التي اصبحتها و أنا اضحك على نفسي و انا اقنع نفسي انني قوية…
حين اكتشفت ان احد الفتية الذين يدرسون معي ينتمي نصفه الى اقليتي! لم ادرك ذلك من البداية لأن أمه هي التي من اقليتي…
و كان اكتشافي لذلك في موقف درامي لا يخلو من الارباك… كان ذلك حين كنت مكلفة باعداد عرض تقديمي عن احدى النظريات الاجتماعية النقدية… و اتقنت تقديم النظرية امام الصف كله… و تصادف ان كلف الاستاذ ذلك الفتى قبل ان ابدأ بالتركيز جيداً لأنه يريده ان ينقد ادائي، هذا هو اسلوب الاستاذ، يحب ان يدربنا على التقديم و النقد… يومها، قدمت للنظرية و شرحتها باحتراف، و طلب المدرس من ذلك الفتى ان ينقد تقديمي… و بعد المحاضرة، و اثناء توجهي الى موقف السيارات، تصادفنا في الطريق، و تفاجأت به يكلمني بلسان قومي و يعبر لي عن امتنانه لأن تقديمي كان ممتازاً! تفاجأت… و سألته… ضحك و اجابني بان أمه تنتمي الى نفس الأقلية التي انتمي اليها… و اخبرني انه عاش في وطن اجدادي… و اخبرني عن التاريخ المشرف للعائلة التي تنتمي اليها امه… قال لي انه سافر الى وطن الأجداد، و قضى سنوات يبحث عن القرية التي ينتمي جدود أمه اليها… فاجأني بكمية المعرفة المختزنة في رأسه… تكلم معي بسرعة الف كلمة في الدقيقة، كلها مهم! تحدث معي بلغة قومي، و تحدث مع الآخرين باللغة العربية، و ناقش المساقات بالانجليزية، و اخبرني انه درس في موسكو لذلك فهو يعرف الروسية، و رمت احدى زميلاتنا تعليقاً بالايطالية فأجابها، و حين ابدت انبهارها من انه يعرف الايطالية ضحك بخجل لأنه لا يعرف الايطالية بل يعرف فقط اللاتينية لذلك فهو يلتقط الكلمات المشابهة بالايطالية و يفهمها!
ليس كل هذا هو المهم… المهم انني -و من حيث كنت فخورة بقوتي و باستقلاليتي و بانفصالي العاطفي عن محيطي و عدم استمدادي لقوتي من اي شيء يحيط بي- شعرت فجأة بالغربة! حين اصبح احد هذه الوجوه الصديقة المنفصلة عن “داخلي” فجأة وجهاً مألوفاً، و جهاً استمد منه شيئاً من الشجاعة… ادور بعيني في الصف حين ادخل و حين اراه اشعر بالاطمئنان لأنني لست وحدي، افكر ان احدث الاستاذ في أمر لكنني اتردد، و حين اراه منتظراً امام مكتب الاستاذ اتشجع لأنني لن اسأل الاستاذ وحدي… افكر بأنه لو حدث لي شيء فسيكون هو موجوداً… و في نفس الوقت، حين لا يكون موجوداً، ادعو الله تعالى ان لا يحدث زلزال او حريق او حادث طريق او مشاجرة، لأنه سيكون من البشع جداً ان اموت لوحدي وسط أغراب…
لماذا يحدث هذا لي؟
لماذا اصبحت فجأة ارى احد الوجوه التي كانت “محايدة” وجهاً مألوفاً جداً و قريباً جداً و أشعر حين اراه بغربتي تتكثف و تتعمق، و اراني اشعر بالاطمئنان حين يدعوني “ابنة خالي” و يتعامل معي كقريبته، فيبدو ان الصف كله متشابهون فيما عدا (الأمريكيين)، و نحن؟
اشعر بالخوف من الغد… ارغب حقاً ان يكون هذا كله عرضاً سينمائياً كبيراً ضخماً يوجد له زر “ايقاف” اتوق بشدة لضغطه… لا أريد ان اشاهد دقيقة أخرى من هذا العرض السخيف المرعب…
اريد فقط ان اطوق ركبتي بذراعيّ و اضمهما الى صدري و انكفئ عليهما بوجهي و ابكي بكل ما بداخلي من حرقة… لا اريد ان افقد السيطرة… لا اريد ان اضعف… لا افهم ايها هو الضعف؟ لا اريد ان تفاجئني الحياة بخيار لا اعرف كيف اتخذته…
اريدك انت فقط… لا اريد ان يفهم اي انسان غيرك ما اريد او ما يناسبني… اريدك انت ان تاخذ زمام المبادرة لا سواك…
نعم، انا انسان… بكل ما بي من قوة و اصرار و تصميم، انا انسان… مهما كان جبروتي فأنا انسان… لي لحظات ضعف…
يا ربّ… يا ربّ… لا تجعل لحظة ضعف قصيرة جداً تكون منفذاً لأحد ليدخل الى حياتي… ارجوك يا الهي… يا ربّي… يا خالقي و مولاي… لا تتركني لضعفي و حيرتي…
يا الله… لا تأخذني بضعفي… و ارحمني من ما لا املك ان احمي نفسي منه يا الله… يا خالقي و مولاي…
يا ربّ ليس لي سواك فلا تتركني…
يا ربّ…
قبل عامين…
نوفمبر 6, 2009 at 8:39 م | In Uncategorized | 12 Commentsفي مثل هذا اليوم… كان الفراق الأول…
قبل عامين، بالضبط… كنت اجلس مذهولة غير مصدقة… احدق في صورتك و في ورقة الدولار التي بحثت عنها في محفظتك قبل ليلة و حين لم تجد غيرها كتبت لي عليها “بحبك… و الك” و وقعت عليها… و كان نفس السؤال يتكرر في عقلي المذهول مرة بعد مرة: “لماذا فقط حين ارتاحت روحي اليك غادرت؟”
كانت ليلة باردة… و كنت ابتسم للجميع ابتسامة جوفاء… ليس منها ما يشبه الابتسامة سوى شكلها…
كان الليل صامتاً… و الهدوء موحشاً… وكنت قابضة على جهاز الخلوي بشدة… كان صلة الوصل الوحيدة بيننا…
صباح ذلك اليوم، كان وداعاً صعباً…
كنت انظر اليك بالسترة الزرقاء الفاتحة و اقول داخل نفسي: “كم انت جميل! لماذا تبدو اليوم اجمل من العادة؟”
حين صافحتني… كنت اريد ان ادفن وجهي في صدرك و اختبئ هناك حتى اهدأ قليلاً… كنت اريد ان اقول لك: لا تسافر الآن… ابقى معي قليلاً حتى يشتد عودي و اصبح اصلب قليلاً… لا تتركني الآن…
كنت مصرّاً ان تودعني و انت مبتسم، رغم انني رأيت بوضوح اللوعة التي اختفت خلف ابتسامتك… كنت اريد ان اقول: انا ايضاً اريدك ان تبقى! لننسى موضوع السفر و الدراسة و نبقى سوياً!
لكنني رددت لك ابتسامتك… و حاولت ان املأ عيني منك… ان انقش صورتك في ذاكرتي جيداً…
حين سارت سيارتك و ابتعدت، رايتك كيف التفت الى الخلف، و بقيت عيناك تحتضنانني… و حين انعطفت السيارة يميناً، استدرت الى النافذة الأخرى… اعرف انك لم ترد ان تضيع منك و لو لمحة… قاومت نفسي بشدة حتى ابقى واقفة مكاني، ولا اجري خلف السيارة…
ها انا الآن وحدي من جديد…
تتجاذبني الافكار… و يؤرقني الحنين…
افكر ان ما بقي اقل من ما مضى… فأسعد… افكر في الاحداث القبيحة التي حدثت، فأشعر بالرعب… من الغد… اخشى ان يكون ما حصل حكم على قصتنا بالنهاية…
اشعر بأنني على وشك الانهيار… بذلت كل جهدي كي لا نصل الى هنا… اشعر بمرارة خانقة…
“حبيبي يا نجمة ليلي… يا منولي السراديب… مكتوب على كف العاشق… روح بلدك يا غريب”…
اشعر بروحك بشدة… اعرف بماذا تشعر… اتمنى ان احتضن روحك المتعبة و اهمس لها: “لا غربة بعد اليوم…”
اشعر بنفس الغربة… حتى وسط الجميع… حتى حين يرتفع صوتي بالضحك اللامبالي، و حين يصفونني بالبشوشة الضاحكة… روحي تشعر بعزلة قاتلة… عزلة لم يخففها علي سوى انت…
هل فكرت يوماً بما سأقوله الآن؟
هل نظرت يوماً الى الفراغ الذي يفصل ذراعك عن جذعك؟ لقد صمم على مقاسي تماماً… حتى لا يشغله احد سواي…
الم تفطن الى ذلك يوماً؟ اظن انك لا حظت ذلك… في تلك الليلة الرمضانية التي كنا منصرفين فيها من النادي… هل تذكر كيف استوقفتني ليلتها؟ هل تذكر كيف همست لي بشوق: “احبك… لا تذهبي و تتركيني”… يااااااه… ليس ذلك شيئاً ينسى!
لقد زرتني الليلة في المنام…
اندهشت كثيراً لأنك حين صافحتني شعرت بيدك تماماً! شعرت بها كأنني أمسكت بها!
ثم حين لم تسر الأمور كما نريد، احتضنتني و رحت انا ابكي… بكيت كثيراً و كنت اشد نفسي اليك… امسكت بك بشدة و خبات وجهي في صدرك و اغلقت عيني بقوة! تماماً كما يمسك الطفل الخائف امه بشدة كأنه يخاف ان يأخذه احد منها! استيقظت من نومي وانا اهذي… تماماً كما كانت حالتي حبن اصبت بالتهاب الرئة قبل ما يقرب الثلاثة اشهر، بعد سفرك مباشرة…
خفت كثيراً عندما فتحت عيني و لم اجدك… لكنني ادركت سريعاً انه حلم فهدأت…
“ربك لما يريد…
احلامنا حتتحقق…
و كلامنا حيستدق…
و الغايب هيعود…
ربك لما يريد…
الصعب بيتهون…
و الحزن بيتلون…
طول ما الايد في الايد…”
انا و انت… و المطر…
أكتوبر 30, 2009 at 11:52 ص | In Uncategorized | 4 Commentsيغمرني الشتاء بسكينة دافئة…
احب المطر… و الهواء البارد… و السماء الغائمة…
هل تتذكر اننا تعارفنا في الشتاء؟
في اولى لقاءاتنا، كان الغيم الرمادي يملأ السماء… و كنت انت مرتدياً بذلة سوداء دون ان ترتدي فوقها شيئاً دافئاً… كانت الوقت خريفاً… و اذكر جيداً حين صافحتني، حينها قلت لنفسي: “يداه باردتان جداً”…
ليديك ملمس خاص حين تصافح… هل اخبرتك بهذا يوماً؟ من النادر ان تكونا باردتين… لذلك اظن انك يومها كنت تشعر بالبرد، رغم انك كنت تبدو انيقاً جداً ببذلتك السوداء، و ربطة عنقك الموشاة بنقوش صغيرة… ربما هي مربعات… لم اتمكن يوماً من ملاحظة نقوشها جيداً، فمن الصعب ان اضيع وقتاً استطيع ان انظر فيه الى وجهك في النظر الى ربطة عنقك!
كان للشتاء دوماً وقع خاص في نفسي… فهو فصل القصص و الحكايات… و الليالي الدافئة… لكنه زاد حميمية و دفئاً حين قدّر لي ان تكون لي فيه ذكريات معك…
في ايام الشتاء، كانت الشمس تغرب قبل انتهاء يوم العمل بكثير… و كانت اخر ساعة من الدوام تأتي دائماً و الدنيا معتمة… كنا احياناً نمل الجلوس بين الجدران و خلف الزجاج، فنخرج الى الحديقة…
كوب من الشراب الساخن… و سيجارتك… و انا و انت بملابسنا الثقيلة، و البخار المتصاعد من افواهنا حين نتكلم او نضحك… واقفان في الحديقة، و شلال من الاضواء الصفراء يغمرنا من اضواء الحديقة، و من ما تسرب عبر النوافذ الزجاجية الطولية الكبيرة للكافيتيريا…
حتى حين كنا نجلس في الداخل… في هواء الكافيتيريا الرطب الثقيل المفعم بشتى الروائح الشتائية… يهوج ما حولنا و يموج بالاحاديث الصاخبة و الضحك و المداعبات و الطلبات… و انا و انت على طاولتنا لا نسمع شيئاً مما يدور حولنا… انت باحاديثك الشجية و ابتسامتك الساحرة و ضحكتك الصغيرة الموسيقية… و انا بعيني الدارستين… بذلك الشيء المبهور في خلفية عقلي بهذا التركيب العجيب من العواطف و التجارب و الافكار و الخبرات… بذلك الهمس الذي يتردد في داخلي، يتمنى ان لا تنتهي هذه الجلسة ولا ينقطع هذا الحديث…
ابتسامة عريضة تغمرني حين اتذكر جمعية البلدة… حين اقترحت علي العمل معكم كنت مرتدياً ذات المعطف ذي الياقة الفرائية… كانت تفوح منك رائحة عطر زكية… كل ما فيك حينها جعلني اشعر بشوق جارف لشيء ما… افهمت نفسي حينها ان هيئتك و كلامك و رائحة عطرك المختلطة برائحة السجائر و القهوة ترسم تماماً صورة مثالية لشاب محلي من بلدتي و ثقافتي… وان هيئتك حينها جعلتني اتمنى ان ارتبط بشاب مثلك… لكن الحقيقة انك كنت يومها في احدى ابهى صورك… و كان شيء ما في عقلي الباطن يحاول ان يرفع صوته ليقول لي انني وقعت في حبك، لكنني كعادتي اسكته قبل حتى ان اسمع ما يريد…
كانت ايام الجمعية اياماً لا تنسى…
في عز المطر، كنت استقل سيارتي و آتي… لم يوقفني مطر و لا برد… لم اتغيب الا مرة واحدة، التقيتك بعدها في العمل و اخبرتني كل ما قيل… كنت تعتني بي عناية استثنائية… كنت تريدني دائماً ان اعرف كل شيء…
كان الجميع ينصرفون مسرعين، و نبقى انا و انت في الردهة… احدنا يستوقف الاخر ليسأل سؤالاً، ثم نقف سوياً الى ما شاء الله… نتحدث في الردهة همساً، نخطط لشيء ما، نناقش مقترحاً ما… و صوت المطر بنهمر في الخارج… و روائح المدافئ و دخان العجائز الذين يتناثرون في الغرف التي على جانبي الردهة… و صخب الصبية الذين يلعبون الـ”بولينج” او يشاهدون المباريات بعيداً في القاعة الداخلية…
صورة مثالية لحبيب يحقق كل ما تمنيته يوماً… في شخصه… في محليته… في اندماجه في حياتنا البسيطة في البلدة… في طموحه الكبير…
صورة مثالية… في مكان مثالي… و وقت مثالي… و جو مثالي…
صورة اروع بكثير من ان تكون حقيقية… و ان كانت قد تحققت يوماً، فهي على ما يبدو اجمل من ان تدوم…
من يدري؟ فاقدار الله تعالى دائماً ما تدهشني بحسن تدبيرها الالهي…
تحت تأثير الصدمة
أكتوبر 16, 2009 at 7:20 م | In Uncategorized | 4 Commentsلا يزال اكثر زائرينا حقيقة و حتمية و دقة في مواعيده…
لكنه رغم ذلك اثقل الزائرين…
الموت!
خالي يكبر امي بعدة اعوام… ينادونه “ابو فراس” رغم اني لم اعرف من ابنائه سوى عبدالله و محمد و فاطمة. فراس، يكبرني بعامين، لم أعرفه الا في الصور… رأيت جدتي تحتضنه و تلعب معه… و من انخفاض رأسه الذي يجعله يبدو و كأنه يحدق في شيء ما على الأرض، و من انقباض يديه، يعرف الناظر ان به خطباً ما…
توفي فراس يوم ميلادي الثاني عن عمر يناهز اربعة اعوام… كان مصاباً بحالة متقدمة من الشلل الدماغي. لا اذكر فراس ابداً… كان هذا فقط ما قيل لي عن ذلك الطفل الذي يجلس في حجر جدتي في الصور القديمة…
بعد ولادتي بعام، ولد عبد الله… لا أزال اذكره حتى اليوم… طفلاً ابيض البشرة… جميل الوجه… هزيل الجسم بحيث يتتبع الناظر اليه عظامه بسهولة…
عبد الله ايضاً كان مصاباً بالشلل الدماغي، و رغم انه كان اصغر مني بعام، الا انني كنت امشي و اقفز و العب و ارقص، بينما عبدالله لا يزالون يحملونه و ينقلونه ممداً في مقعد الأطفال “تشيكو” البرتقالي الصغير… غير واعٍ لما يدور حوله… لا يتكلم… بل يبكي حين يريد شيئاً او يضايقه شيء بأنين متألم يقطع نياط القلوب…
كان ملاكاً صغيراً عاجزاً عن كل ما يقدر عليه الأطفال…
توفي عبد الله في السادسة او السابعة من عمره، لا اذكر بالتحديد… توفي بعد بضعة ايام من المرض و البكاء و الأنين المتألم…
ثم ولد محمد… حين ولد محمد كنت انا في الثامنة من عمري… كان طفلاً معافى، سميناً صحيح الجسم و العقل… و كنا حين نزور بيت جدتي، نقطع الرواق الصغير الى بيت خالي و ندق الباب، و حين تفتح زوجة خالي الباب كنا نقول لها: “جئنا لنلعب مع محمد”…
كان محمد طفلاً مكتنزاً… جميلاً… له عينان واسعتان…
كان لديه من الطاقة ما يجعله يركض طوال النهار و يتعب جيشاً كاملاً من الكبار يركضون خلفه بالتناوب، و كان يصل المساء و هو لا تزال فيه طاقة ليبتسم في وجه اي قادم جديد و يقول له: “هيا نلعب؟”
و كبر محمد… و كبرت معه مشاكله… كان طفلاً مدللاً، لكنه طيب القلب جداً… كان الكبار يغدقون العطاء عليه، دون ان يفهموا انه لم يكن بحاجة لألعاب و اطايب، بل كان بحاجة لمن ينظر اليه بحب، و يلعب معه، و يلوث نفسه بالتراب و الطين معه… كنا نحن ايضاً صغاراً وقتها، و لم نكن نفهم ذلك جيداً… كنا نلعب معه، و كان يحبنا جداً… لكن الكبار كانوا دائماً يحابونه علينا… كانوا يفضلونه، و كانوا يمنعوننا من شراء المأكولات التي لا يسمح له خالي بتناولها حتى لا يراها و يطلبها… و كانوا يعطونه -خلسة- كل ما ننساه من ألعاب… قبل ان نفهم ما يجري كان يغيظنا جداً… لكننا حين فهمنا، غفرنا له… و سامحناه… و ضممناه الى مجموعتنا الكبيرة، ففي النهاية… لم يكن ذنبه ان خالي هو الابن الوحيد لأم ارملة لديها اربع بنات سواه… و لم يكن ذنبه انه الابن الوحيد الذي عاش و كبر من ابناء خالي، و لم يصب بالشلل الدماغي كفراس و عبد الله…
لا اذكر كم كان عمري بالضبط حين ولدت ابنة خالي فاطمة… ربما في الثامنة عشرة او في التاسعة عشرة… كان محمد في التاسعة او العاشرة، و فرح جداً انه قد اصبح له اخت… فاطمة الصغيرة، التي كانت تشبه محمداً كثيراً، اصبحت تقف على اقدامها و تركب عربة الأطفال الصغيرة… و بدأت تتكلم… حين لاحظت ذات يوم شيئاً ارعبني… انحنيت لأتناولها من عربة الاطفال و احملها بين ذراعي، كنت اناغيها و الاعبها حين لاحظت فجأة ان بؤبؤي عينيها يتحركان باستمرار و يمنعانها من تركيز نظرها في شيء محدد… خفت… و تذكرت فراس و عبدالله… مرت ايام كنت افكر فيها بيني و بين نفسي، هل اخبر احداً بملاحظتي؟ لم تمر بضعة ايام حتى اخبرتني امي: فاطمة شخص الاطباء اصابتها بالشلل الدماغي…
تراجعت حالتها كثيراً… فبعد ان بدات بالسير على قدميها ضمرت قدرتها و لم تعد تقوى حتى على الجلوس، و اصبحت طوال الوقت ممددة… و لم تعد قادرة على نطق الاشياء البسيطة التي كانت قد بدأت تقولها…
و توفيت فاطمة و هي في الخامسة من عمرها… طفلة عاجزة عن كل شيء…
و بقي محمد… الابن الوحيد لأب و أم فجعا بابنين قبله و ابنة بعده…
محمد اصبح هو الأمل و هو المستقبل… و تماماً كما كان من قبل، ظل المفضل و المدلل من الجميع، البعيد بافكاره و ذهنه عن الجميع… الذي يئس من ان يسمعه او يستوعبه احد من الكبار الذين يغدقون عليه العطاء…
في السنة الماضية كان محمد طالب ثانوية عامة… طوال فصله الدراسي الأول لم يكن يدرس كما يجب، و رسب في بضعة مساقات… لكنه قرر انه سيعدل الأمور في الفصل الدراسي الثاني حتى لا يخيب امل امه و ابيه…
و في الفصل الدراسي الثاني، حين بدأت الامتحانات، اصيب بالتهاب بالأمعاء… تغيب على اثره عن امتحان او اثنين، و نجح بالبقية بالكاد!
هذه المرة، كان الجميع يعرفون انه بذل ما في وسعه، و لم يغضب منه احد… بل اعتنى به الجميع حتى شفي من المرض الذي تسبب باضعاف دمه و جسمه بشكل عام…
و بقي عليه ان يستعيد عافيته و قوته شيئاً فشيئاً…
لكنه لم يستعدها…
توفي محمد قبل بضعة ساعات…
و تركنا جميعاً مذهولين… لأنه نجا من الشلل الدماغي الذي فتك باخوته الثلاثة، و توفي بمرض بسيط…
توفي محمد قبل قليل… و تركنا نتذكر وجهه الذي اشحبه المرض و ندعو له بالرحمة و المغفرة…
اللهم ارحمنا من موت الفجأة، و لا تقبض ارواحنا الا و قد اعددنا عدتنا للرحيل الى دار الحق…
آمين…
يوم مميز…
أكتوبر 7, 2009 at 5:19 م | In Uncategorized | 10 Commentsرغم كل شيء، لا يزال هناك متسع من الاشياء الجيدة!
مديري في العمل رجل امريكي… هو من افضل الناس الذين عرفتهم خلال حياتي… فهو عدا عن كونه مطلعاً و صاحب خبرة في مجال العمل في ايواء اللاجئين، هو ايضاً شخص مؤدب و خلوق الى ابعد الحدود…
توطدت علاقتي به حين كنا نحضر دورة تدريبية متخصصة و ذكر خلال مداخلة ما أنه كان يعمل في منطقة تقع في وطن اجدادي… يومها توجهت اليه بعد انتهاء الجلسة و سألته ان كان مكتب المنظمة الموجود هناك لا يزال عاملاً، فاجابني بانه اغلق حين انجز مهمته، و سألني لماذا اهتممت بالموضوع… يومها اخبرت ان جذوري تعود الى هناك، و ان اجدادي هاجروا من تلك المنطقة هرباً من الحروب و فراراً بدينهم، او لنقل ان هذا ما فهموه وقتها. فرح مديري بذلك جداً، و اخبرني بأنه عاش فترة في تلك الفترة، و زار كل زاوية في تلك المنطقة، و انبهر بالطبيعة الخلابة التي تنعم بها المنطقة هناك…
ذكر لي مديري اكثر من مرة بأن علي -على الأقل- أن ازور وطن الأجداد…
قبل بضعة ايام، كان احد اللاجئين يواجه مشكلة هو و عائلته… مشكلة كانت ستؤدي الى احتجازهم جميعاً في نقطة شرطة…
و يومها كنت اعمل على متابعة هذا الأمر مع مديري و مع اللاجئ و عائلته… و فجأة وقت الظهيرة، فقدت الاتصال باللاجئ… مضى الوقت و انا احاول الاتصال به بلا طائل… و بقيت نصف ساعة من يوم العمل… حاولت ان اتصل بمكتب مديري لأخبره عن ذلك، لكنه كان خارج مكتبه… فاضطررت لمغادرة المكتب دون اخباره و توجهت الى جامعتي…
لكن اللاجئ و زوجته و اطفاله الثلاثة لم يغادروا تفكيري… كان من الممكن ان يقضوا ليلتهم في مركز الشرطة… فاتصلت بمديري ما ان وصلت الجامعة و ركنت سيارتي لاخبره انني لم انجح بالتصال بعائلة اللاجئين طوال اليوم… تفاجأ مديري يومها لأنني اتصل به بعد انتهاء ساعات العمل الرسمي لأخبره عن ذلك! و قال لي: “يا الهي! عندما يتعلق الأمر بالعمل انتِ اكثر جنوناً مني!” و شرحت له حينها ان كلاً منا سيعود الي بيته، لكن هذا الرجل الحزين و اطفاله الذين لا يتجاوز اصغرهم عمر الثالثة سيقضي ليلته في مركز الشرطة ان تركناه…
اليوم، كنت في مكتبه لنناقش شيئاً ما… و تصادف ان ذكر لي ذلك الموقف ضاحكاً… فرجوته ان لا يظن انني مدمنة عمل او شيء من هذا القبيل، و شرحت له كيف ان لي اسباباً لآخذ عملي هذا على محمل الجد…
اخرجت صورة الثالث من محفظتي… و اريتها له… قلت له ان هذا هو خطيبي المفترض، و ان الأمور لو سارت كما خططنا لها لكنا الآن متزوجين و نعيش بسعادة و هناء في وطن اجدادنا… اخبرته انه هناك يدرس تحضيراً لنيل درجة الدكتوراة، و اخبرته ان هذا الانسان لا يعني لي فقط “حبّاً” رومنسياً و السلام… شرحت له كيف كنت قبل ان اقابل الثالث اعيش كما كل الفتيات… و لا اطمح لشيء مميز… اخبرته عن عملي السابق، و كيف التقيت بالثالث فيه… و كيف نمت افكارنا و نضجت سوياً… و كيف مللنا ان نكون مثلنا مثل غيرنا، اغناماً في القطيع لا ترفع رأسها في حياتها لأن كل همها هو مضغ الحشائش… اخبرته كيف ساعدني الثالث لاكتشاف ذاتي، و لادراك ما حباني الله تعالى به من قدرات…
اخبرته كيف تمت مضايقة الثالث… و كيف اتهموه زوراً بالكثير من الأشياء… و كيف انه اصر ان يعود لأن رسالته رسالة سلم، لا رسالة عنف… و ان كل ما يهتم به هو التنوير الاجتماعي… اخبرته كيف ان هذا الرجل يستحق جائزة نوبل للسلام لو فهم العالم رسالته…
تكلمت عن الثالث كثيراً… و استمع مديري كثيراً… اهتم بكلامي عنه… و هنأني لاختياري شخصاً كهذا…
تكلمت و كأن شيئاً لم يحصل بيني و بين الثالث… تكلمت و كأنه كان جالساً معنا… تكلمت بشوق، و بشغف…
ودعت مديري و خرجت عائدة الى مكتبي في الطابق الثالث…
قطعت الطريق و انا افكر كم يعني لي…
احياناً لا يعود الحديث مع النفس فعالاً، لذلك نحتاج ان نتحدث عن اشيائنا امام آخرين، و نسمع انفسنا نتحدث…
هذا بالضبط ما حصل اليوم…
و جعلني انظر الى الانسانة التي كنت عليها… و الانسانة التي اصبحت عليها…
شعرت بالفرق بين الانسانة الساذجة الخجولة حد المرض… حسنة النية حد الغباء… العاطفية بسقم… و بين الانسانة القوية، حسنة النية بذكاء، العاطفية باستقرار التي اصبحتها…
فهمت ان الثالث لم يكن حباً و فقط… بل كان حباً… و استاذاً… و مرشداً… و معلماً…
لا اعرف شيئاً عن المستقبل…
لكنني اعرف انني احبه حد الجنون… و ان حياتي هي اما معه او بدونه… اما ان اكون مع سواه، فهذا ليس خياراً ابداً…
ففي النهاية، لقد صنع الثالث بي تأثيراً لا يمكن عكسه…
امسك يدي… قادني الأمام برفق، ثم هدم كل الجسور التي تربطني بكل ما هو سيء في الماضي…
احبك…
احبك بجنون…
تأملات…
سبتمبر 24, 2009 at 5:15 ص | In Uncategorized | التعليقات مغلقةمر اربعون يوماً الآن…
اربعون يوماً لا أعرف كيف قضيتها…
لا اعرف شيئاً… لا اعرف اي شيء…
عجيبة هي الحياة… و غريب ما يحدث فيها…
ماذا علينا ان نفهم منها؟
ولماذا حين نتمسك بما فهمنا منذ صغرنا انه “صحيح” تصفعنا الحياة لتخبرنا اننا لسنا الا اغبياء سذج حين صدقنا ان هذا هو ما يجب ان نكون عليه؟
افكر في صديقتي…
صديقتي التي اعجبت ذات يوم بشخص ما، و تصادف ان صارحها اخوه باعجابه بها، و لم يثنها اعجابها باخيه عن تقبل مشاعره بترحاب حتى لا يضيع من يدها، فهما من عائلة ثرية جداً… لكنها لم تحببه ابداً، ولا استغرب ذلك، فانا اعرفه و اعرف انه شخص اقل ما يقال عنه انه “بغيض”…
و دارت الأيام، و عبر الأخ الذي كانت صديقتي معجبة به عن اعجابه بها، و كان ذلك قمة ما تتمناه، لكنها اخبرته كل شيء عن ما كان بينها و بين اخيه، و اصر رغم ذلك على موقفه و على تمسكه بها… و ابتدأت بينهما علاقة حب استمرت لما يقارب الشهرين تعلقت خلالهما به الى حد الجنون، لكنه فاجأها بانهاء علاقتهما بدون اية اسباب واضحة! رغم اننا كنا فاهمتين تماماً ان الأمر متعلق بأخيه و بالمشاعر التي اكنها يوماً لصديقتي…
حاولت صديقتي بشتى الوسائل ان تؤثر عليه، و تعيده اليها… لكنه كل محاولاتها ذهبت ادراج الرياح…
و في قمة تعلقها به، و خلال محاولاتها المستميتة لتعيده اليها، لم يمنعها حبها له من ان تبدأ علاقة جديدة مع شخص آخر… لم تحبه يوماً رغم انه كان متيماً بها… كان كل خطأ ترتكبه في حقه افدح من الذي قبله، و كان دائماً ما يجد طريقة ليلوم نفسه هو و يخرجها هي من الملامة… حاولت بضعة مرات ان اطلب اليها ان تنسى حبيبها السابق و تبادل هذا الشخص حبه بحب مماثل و لا تتخلى عنه لأنه هو من يستحق حبها، لكنها دائماً كانت تتصرف و كأنني اقول لها: لا تدعيه يفلت من يدك في حال لم تتيسر اموركِ مع حبيبك!
لم تقطع علاقتها به، و استمرت معه حتى بعد ان عرفت عائلتها بالأمر و اعترضت على الشاب اعتراضاً شديداً لأنه ليس بمثل ثرائهم… لم يكن الأمر انها تركته هو يبادر بالتمسك بها لتنجو من تأنيب الضمير، بل كانت كلما غضب و حاول الابتعاد تبادر الى مراسلته و الاتصال به! كثيراً ما سألتها: “هل تحبينه؟ و لذلك تعيدينه اليكِ؟” و كانت دائماً تجيب: “انا لا احبه ابداً و لكنني لا استطيع ان ابقى وحدي”…!
الطريف في الأمر، ان كل ذلك لم يمنعها من استقبال اية متقدمين لها يأتون عن طريق المعارف عبر ما يسمى بـ”زواج الصالونات”! هي لم تكن تعرف الثالث، لكنني ذكرت مرةً امامها -عرضاً- ان احد زملائي سألني ان كنت مرتبطة ام لا، لان هناك شخصاً مهتماً بي و يريد ان يعرف حتى يتقدم لي في حال لم اكن مرتبطة… وقتها سألتني: “و ماذا اجتِه؟”
-”قلت له شكراً لك و لكنني مرتبطة…”
-”الم تعرفي من هو الذي يريد خطبتكِ؟”
-”كلا… لم اسأله من هو أصلاً…”
-”مجنونة!”
-”مجنونة؟!! لماذا؟”
-”كان يجب ان لا تخبريه بأنك مرتبطة و تتركي الشاب الآخر يتقدم لكِ و من ثم تقارنينهما و تقررين من تريدين!”
-”انتِ تمزحين، اليس كذلك؟ الم اخبركِ بأنني مرتبطة بالثالث؟”
-” و ان يكن! مرتبطة لكن لا شيء رسمي و يمكن ان تنسحبي بأية لحظة! ربما كانت هذه فرصتكِ! ربما كان افضل من الثالث!”
-”اسمعي عزيزتي… ان لا اريد الأفضل… انا اريد من احببته من اعماق قلبي و عاهدته على الوفاء له حتى يعود… و لا تكلميني في هذا الأمر مرة اخرى حتى لا تخسريني…”
و من يومها لم اذكر امامها شيئاً عن الأمر…
ما يضحكني حقاً هو ان صديقتي هذه تزوجت الآن… لا بمن كانت تحب… و لا بالذي احبها و هام بها… بل حرصت على ابقاء علاقتها بذلك الشاب الذي احبها حتى ضمنت “عريساً” ثرياً و مناسباً للهالة التي تحيط اسرتها نفسها بها… و فاجأته بالزواج من الـ”عريس”… لا، لم اصل بعد للمقطع المضحك… صديقتي هذه تعيش الآن حياة سعيدة جداً تخلو من أية منغصات… نعم! لقد كافأتها الحياة على كل ذلك بالسعادة! هي صديقتي و عزيزة جداً على قلبي… و انا سعيدة جداً لسعادتها…
لكنني حين انظر الى نفسي، و الى ما يحدث معي، اضحك و الدموع تنساب على وجنتي…
لا أدري هل آسف على نفسي؟ هل اندم؟ اسأل نفسي الف مرة في اليوم: هل أنا على صواب؟ هل الوفاء صح أم خطأ؟
انظر بعيني ذاكرتي الى نفسي كيف كنت استمتع بالحفاظ على نفسي من نظرات الجميع، و اوضح للجميع بأنني فتاة لرجل واحد اسمه “الثالث”… و أنه لن يحلم اي رجل في العالم ان اكون له سوى حبيبي… و اضحك على سذاجتي، حين اتذكر كم كنت مسكينة حين كنت افهم انني افعل الصواب حين اخلص لحبي… ياااااه ما أشد الألم… كم هو مؤلم ذلك الشعور… حين افاجأ بأن الحياة عاقبتني على اخلاصي بهذا…
ماذا علي ان افهم من كل هذا؟ هل كنت انا على خطأ حين اخلصت لك؟ حين حلمت بأن اهديك نفسي ليلة زفافنا نقية طاهرة حتى من احلام رجل آخر؟
هل كان علي فعلاً ان اقيّم كل عروض الزواج التي تأتيني على اساس انه لا شيء ملزم بيني و بينك، و انه بمكنني الانسحاب في اية لحظة؟
هل كان علي ان ابحث عن زواج مريح يأتي و معه البيت الواسع المؤثث اثاثاً فاخراً، و الرجل المطواع ذو المرتب الجيّد الذي يقول لي: “اتركي سيارتك لأهلك، فقد اشتريت لك سيارة دفع رباعي كبيرة باسمك”؟
هل كان علي ان اتصرف ببرود و صفاقة؟ هل كان خطأً اصلاً ان يكون لدي مشاعر و افكار ومئات الاسئلة و الاهتمامات التي تشاركنا بها في شغف؟
لماذا؟ لماذا حين تأتي الصفعة الأكثر ايلاماً تأتي من اعز الناس؟ لماذا؟ لماذا؟
لماذا اكتشف فجأة ان اليد التي تغرز اقسى سكين في قلبي هي اليد التي طالما تمنيت ان تقبلها شفتاي و ان نتركها تلمس بشوق وجهي و تزيح عنه خصلات شعري الصغيرة؟
لا تركني افكاري في حالي…
لا انام…
افكر في كل هذا و انا اهرب من زحام الحياة الى غرفتي الصغيرة و استمع الى موسيقى “ليلة القبض على فاطمة”… و تمر في بالي الخواطر تباعاً…
تجعلني هذه الموسيقى افكر في اللحظات التي نتخذ فيها قرارات صعبة… في مواجهة قاسية مع لحظات العمر نكتشف فيها ان السنوات مرت تباعاً و تركتنا فجأة امام النهايات… في نظري الى نفسي و الى الساذجة التي كنتها… في خجلي من حسن نواياي المفرط، و الذي اتهمت فيه… وفي غصتي حين وجب علي ان اقف ذليلة مدافعة عن حسن نيتي دون ان يصدقني احد… في الشعور المرّ الذي تخلفه النهايات… في وحدتي التي كانت لذيذة حين كنت اختلي بروحك… حين كنت تقول لي: “صديقي سافر و انا الآن وحدي، كم شعرت بالوحدة حين اطفأت الضوء و تمنيت ان تكوني بجانبي… يااه كم اشعر بروحك قريبة الآن…”
تجعل هذه الموسيقى ذكرياتي تمر أمام عيني تباعاً… ذكريات ازدهرت يوماً بحضورك… ذكريات استمدت حياتها من دفئك…
ذكريات جميلة… حنونة… دافئة…
ذكريات… اكثر ما يؤلم فيها انها ما عادت اكثر من ذكريات…
و أن بطلها قد غادر…
و تركني…
وحدي…
أن تكون امرأة…
سبتمبر 16, 2009 at 3:27 م | In Uncategorized | 4 Commentsقبل قليل عدت من الخارج…
دخلت المنزل و في داخلي تغلي مراجل من الغضب…
ساقص عليكم باختصار ما حدث معي… طلب مني الطبيب ان اجري فحصاً للدم. و بشكل طبيعي توجهت بعد انتهاء ساعات عملي الى احد المختبرات الطبية لأجري الفحص المطلوب. الدنيا رمضان، و العيد قريب… لذلك فان الشوارع تختنق بما فيها من سيارات…
كان المختبر مغلقاً، فعدت الى سيارتي و انطلقت على عجل الى مختبر آخر… الشارع مكتظ… السيارات مصطفة على طول الرصيف، و تقريباً مثلهم يقفون وقوفاً مزدوجاً… دخلت احد الشوارع الفرعية و قمت بالتفافة اعادتني الى بداية الشارع الذي قطعته مرة اخرى وأنا اقود ببطء على يمين الشارع بحثاُ عن موقف، عبثاً! قررت ان اقوم بالتفافة اخرى بحثاً عن موقف، و اثناء سيري في الشوارع الخلفية عودةً الى بداية الشارع وجدت قطعة ارض فارغة قدرت أنها خلف البناية التي تحتوي المختبر.
قطعة ارض ليس فيها اي اشارة انها ملك لأحد او انها موقف لأحد ما… تناثرت فيها بضعة سيارات… ترددت قبل ان اركن سيارتي فيها، اذ ان لها مدخلاً صغيراً هو عبارة عن انهدام في السور الذي يسورها، و من الواضح ان الجميع يستخدمون هذا الانهدام للدخول الى الساحة.. و كان المكان الوحيد الذي استطيع الوقوف فيه يغلق طريق سيارتين او ثلاث… لكنني لا أملك خياراً آخر، فالوقت ينفد مني و احتاج ان اراجع الطبيب و بيدي نتيجة الفحص غداً و الا سانتظر حتى ما بعد العيد… حاولت ان ابحث عن احد استأذنه او اخبره او اعتذر منه مسبقاً لكن الساحة كانت فارغة تماماً من أي انسان…
اوقفت سيارتي هناك و ترجلت الى وجهتي و انا عازمة على الانتهاء بأسرع وقت حتى لا اعطل احداً… لم تأخذ زيارة المختبر اكثر من عشرة دقائق، عدت بعدها مسرعة الى سيارتي… ما ان دخلت الساحة حتى رأيت اربعة رجال منظرهم لا يبشر بخير متكئين على احدى السيارات، و رجل آخر يقف بعيداً عنهم اقل ما يقال عنه انه “حثالة”… و عامل بسيط يقوم بغسل احدى السيارات… لمحت حافلة نقل تقف بطولها على مدخل الساحة مغلقةً اياه… ظل الرجال يحدقون بي حتى وصلت سيارتي، و ما ان تأكدوا انني صاحبة السيارة حتى بدأوا بتوجيه العبارات الساخرة التي ابتدأت بـ”هيها شرّفت”… ثم قال احدهم موجهاً كلامه الي: “لقد اغلقتِ طريق خروجنا”…
هنا، بادرت باعتذار لبق، و قلت له: “أنا اسفة جداً ارجو ان لا اكون قد اخرتكم” و دخلت سيارتي و اغلقت ابوابي و جلست انتظر صاحب الحافلة التي تغلق مدخل الساحة حتى يأتي و يحرك حافلته من مدخل الساحة بهدوء…
لم تنزل انظارهم الوقحة من علي، و ظلوا يتبادلون كلاماً لم افهمه من مكاني، و لم اركز لأفهمه… كان الطقس حاراً جداً لذلك كان من المستحيل ان ابقي نوافذي الزجاجية مغلقة اثناء انتظاري… سأشوى بلهيب الشمس ان طال انتظاري قليلاً… اقترب العامل البسيط و قال لي: “هؤلاء الرجال يغلقون طريقكِ عمداً”…
لم اعرف ما أقول… سكتت… ثم قلت له:” لا بأس… سأنتظر…”
ثم توجه اليهم بالحديث: “عيب عليكم… أخرجوها”
فقال الرجل الـ”حثالة” من مكانه: “لن احرك شيئاً من مكانه… دعها تعرف ماذا فعلت بنا… لن اتحرك من هنا حتى انهي عملي” كان غاطساً بين بعض الخردة…
ظل الأربعة المتكئون على السيارة يلقون على مسامعي كلمات وقحة و يهزأون بي… و الرجل الغاضب في الخلف يهدد و يتوعد و يعلن غضبه… و انا جالسة في سيارتي… لم احرك ساكناً، و لم انظر ناحيتهم الا هنيهة صغيرة فضلت بعضها ان احتفظ بنظري في حدود سيارتي حين رأيت مبلغ ما في عيونهم من انحطاط و وقاحة و حقارة…
فكرت بأنني لو تصرفت مثلهم مع كل اخرق يتصرف خطاً في الشارع لما تركت احداً من شري…
فكرت بأنهم حقراء منحطون يستمتعون بالاستقواء علي لأنني فتاة، و لأنني وحدي… نظرت الى اجسادهم الرخوة اللزجة، و فكرت بأنني اقوى منهم جميعاً، و بأنني لو قصدت فبامكاني ان اتسبب لكل واحد منهم بعاهة تذكره طوال عمره بأن امرأة ادّبته، لكنني ادركت انهم خمسة، و أنا واحدة…
كانت مرة من المرات القليلة في حياتي التي خفت فيها… جلست و الهدوء و اللامبالاة ظاهرة علي، لكنني من داخلي كنت ارتجف خوفاً… و كان الرجال يراقبونني بمتعة منتظرين استجابة تشعرهم بانهم تمكنوا من اللعب بأعصابي…
احد الواقفين توسمت فيه خيراً… لم يكن يظهر عليه الانحطاط مثلهم… و كان ملتحياً و يبدو مختلفاً عن البقية… فكرت، لو اخذت بطاقة المختبر و اخذتها له و اريته التاريخ، و شرحت له انني لو لم اكن مضطرة لما اوقفت سيارتي هنا، فمن المؤكد انه سيتفهم، و سيطلب من صاحب الحافلة ان يزيح حافلته، و سيبتعد بالتأكيد لأنه رجل مثله، و اقل ما فيها سوف يفكر انه رجل مثله -تعادل قوى-… لكنني صرفت النظر عن الفكرة و فضلت ان ابقى داخل سيارتي… لو خرجت خارج اسواري الاستراتيجية فسأفقد قوتي… و يبدو انها بالنسبة لهم حرب اعصاب…
بدأ صوت الرجل الـ”حثالة” يعلو… و بدأ غضبه يزداد… و ازدادت ضربات قلبي عنفاً…
و حين بدأ بالصراخ و ضرب السيارات يميناً و يساراً، اقترب الرجل الملتحي، ذلك الذي يبدو متديناً و قد توسمت فيه الخير، من سيارتي، و قال لي: “لكن اخرجي بسرعة”…
لم افهم ما يقصد بداية، حتى رأيته يفتح باب الحافلة التي تغلق باب الساحة و يركبها، و يبعدها عم المدخل مفسحاً المجال لي لأخرج!
اذاً هو من اغلق مدخل الساحة و احتجزني! و بفي واقفاً يرقبني و ينتظر ان اخاف و أنهار بكل صفاقة!
لم اكن في موقف قوة، فاخرجت سيارتي و انطلقت مبتعدة عن ذلك المستنقع القذر… و فكرت: ماذا لو تبين لهم فجاة بأن لدي صلات خطيرة مع علية القوم و انني استطيع زجهم جميعاً في سجن لا يعلم مكانه الا الله؟ ماذا لو كنت ابنة “عشيرة” كبيرة؟ ماذا لو كان معروفاً عن ابناء عمومتي انهم “زعران” و “بلطجية” عنيفون و متعطشون للدماء؟
تمنيت لو انهم يستطيعون ان يروا كم الاحتقار الهائل الذي بداخلي… تمنيت لو اخبرهم ان نعتهم بالقذارة هو امتداح لهم… و اكثر ما اغاظني هو الوقح صاحب اللحية… تمنيت لو اراه فجاة في مسجد لأبصق في وجهه و اقول له: “و ما يفعل الله تعالى بصلاتك و صيامك يا وقح؟”
لم تكن ثلة الحقراء هؤلاء فقط هم من أثار غضبي…
بل من كل المجتمع الذي اعيش فيه…
ما الذي كان سيحدث لو تمادى احدهم و تعرض لي فعلاً بالاذى؟
هل كان ابي سيقتص لي منه و يتركني لشأني؟ هل كان الاصدقاء و الأقارب ليقفوا بجانبي دون ان يلوموني؟ ففي النهاية، انا فتاة في السادسة و العشرين من عمري… مستقلة… غير متزوجة… لكنني في النهاية امرأة، لا استطيع ان اتقاتل مع مجموعة رجال! من الذي سيدافع عني دون ان يشعر بالتثاقل؟ و دون ان يشعر ان الدفاع عني يجب ان يكون مسؤولية احد آخر… و كوني غير متزوجة هو -طبعاً- ذنبي… فقد كان بامكاني ببساطة ان اقبل باي ممن تقدموا لطلب يدي، و كان الموضوع ليحل! كان سيكون لدي رجل يحفظ لي مكانتي و ياخذني هنا و هناك حين يلزم الأمر… يفرد نفسه و يمشي الى جانبي مفهماَ الجميع ان هذه التي تمشي بجانبه -التي هي أنا- هي “امرأته”، هي “له”، فلا يجرؤ احد على دوس طرفها…
لذلك، فلا معنى لأن احب احداً او انتظر احداً، او ان ارفض شخصاً ما لأنني ببساطة احب شخصاً اخر يملأ روحي و كياني و لا استطيع ان ادخل في حياتي رجلاً آخر…
“دعيها… تستحق ذلك… اليست هي من رفضت فلاناً؟ و فلاناً؟ و فلاناً؟ لو وافقت لكان لديها الآن اطفال… لتتحمل مسؤولية تكبرها…”
و عليه، و بما أنني على ما يبدو سأقضي ما تبقى من عمري وحيدة، فسأتعلم ان ادافع عن نفسي و احمي نفسي بنفسي…
و قد قررت اليوم ان اقتني عبوة من البخّاخ الحارق الذي يعمي العيون مؤقتاً عند رشه في الوجه لأدافع عن نفسي اذا لزم الأمر…
نعم، استحقّ… انا العنيدة التي جنيت على نفسي و رفضت الارتباط بأحد و تكبرت على الجميع… قولوا ما تشاؤون… لا اريد من اي منكم ان يقف الى جانبي او يساعدني او يدافع عني… انا سعيدة هكذا… فقط دعوني وشأني… اتركوني في حالي… اتركوني وحدي…
الى الثالث…
يوليو 27, 2009 at 9:42 م | In Uncategorized | 2 Commentsلو كنت واقفة أمامك الآن لتلعثمت و احمرّ وجهي… عزيزي، لا أجد الكلمات!!
دعني ارتب افكاري قليلاً لأعرف كيف ابدأ…
لو أردت ان استعين بالزمن فستسرقني الذكريات… ذكريات عام ابتدأ بمكالمة هاتفية شابني فيها شيء من الفضول لأسمع صوت ذلك الشخص الذي يمتلك تلك السيرة الذاتية الغنية!!… تبعها رؤيتي لشاب وسيم وادع الملامح، مرتبك… لم استطع ان اتجاهل العقد الفضي الذي يطل من قميصه… و لم استطع وقتها ان اقرر ان كان تصرفاً صحيحاً او خاطئاً ان اطلب منه أن يتصل برقم هاتفي الخلوي حتى يظهر على شاشتي رقم هاتفه الذي لم يكن يعرفه لأنه كان قد وصل من السفر حديثاً، و ان نقوم بتسجيله على ورقة الامتحان خلسة دون ان يلاحظ احد من الممتحنين الآخرين ما حصل… لم افطن الى أن شيئاً غريباً قد حدث الا حينما سألتني -وقتها- همساً: “هل تسمحين ان احتفظ برقم هاتفك؟”
و لن اصحو حتى اعرج على أول يوم عمل حين ارسلت لي رسالة قصيرة تشكرني فيها… ثم على اول زيارة تاتي فيها لمكتبي… ثم حين طلبت مني ان اعمل معكم في جمعية البلدة… ثم ذلك الحديث عن اصرارك على الزواج في الثالث من آب… ثم اقترابنا من بعضنا… ثم ذلك الحلم… و المكاشفة… و الاعتراف… حتى اصل ليومنا هذا!!
و لو اردت ان ابدأ انطلاقاً منك، من وصفك، و وصف انجازاتك… و اجتهادك… و لو بدأت بسرد اسباب تميزك… فسوف لن تصدق انني اتحدث عنك! اتمنى حتى اليوم ان تمتلك و لو شيئاً من غرور كل اولئك الذين هم أقل منك!
و لو كتبت اليك اصف مشاعري، فسأفقد نفسي… و اتهاوى… و استسلم للشوق الجارف الذي يجتاحني اليك… لا، شكراً! احتاج قوتي و ثباتي حتى اتحمل عاماً آخر -أو اكثر- من فراقك!
لا أدري من أين أبدأ… لذلك فسأصف لك قليلاً ما يحدث لي حين تهمس لي “أحبكِ”… او لنكون أدقّ، “وَلِك بَحِبِّك”… مع نظرتك الهائمة التي تذيب جلاميد الصخر التي بداخلي… و تحيل قوتي و ثباتي الى استسلام… و ابتسامتك التي تجعلني ابتسم رغماً عني… و اتمزق بين خجلي و عدم قدرتي على احتمال الاتصال المباشر مع عينيك المحبتين، و لهفتي و شوقي لتلك العينين و رغبتي الجامحة لأحدق بهما للأبد…
ثم سأنتقل لأخبرك عن شعوري بخفقان معدتي حينما قلت لي ذلك اليوم: “احبكِ يا عروس…”، و عدم قدرتي على مقاومة الابتسامة رغم عدم فهم من حولي… و تساؤلهم عن سر هذه الابتسامة الطاغية…
ربما اخبرك ايضاً، كيف وقفت امام المرآة، و رفعت شعري، و تخيلت نفسي بفستان عرس ابيض، و تخيلتك بجانبي… تتأبط ذراعي… و تمسك بيدي شابكاً اصابعك بأصابعي، شاداً على يدي لتشجعني… يا الهي… كدت أراك بجانبي! هربت الدماء من اطرافي من روعة و هيبة الموقف… تمنيت لو كنت بجانبي حقاً لتحتضنني ضاحكاً و تناديني “عروسي”… سأخبرك ايضاً، انني نفضت رأسي جيداً لأتخلص من الصورة التي تخيلتها! من المبكر جداً ان افكر بهذه اللحظة!! علي ان اضع كل ما هو حالم خلفي الآن، و اتحلى بالقوة لانتظر… الم تردني دائماً قوية و صلبة؟ الم تكن انت دائماً قوياً و صلباً؟ سأكون كما تحب! دائماً كما تحب… هل ستكون انت ايضاً كما أحب؟ أظن ذلك… لأنني أعرف انك تحبني… اعرف ذلك دون ان تقول… اعرف ذلك فقط حين تنظر الي و تبتسم… تلك الابتسامة الساحرة… الآسرة… الرائعة… تلك الابتسامة التي تجعل قلبي يرتعش فرحاً… حين تكلمني عيناك دون حتى ان تأذن لها…
لن اقول مزيداً من “ربما”… فهذه اكيدة جداً… انا اعرف ماذا أريد… و اعرف من هو رجلي الذي لن ارتبط في حياتي بسواه…
تصبح على خير… يا ملاكي الأثير…
المدونة لدى WordPress.com. | Theme: Pool by Borja Fernandez.
Entries and comments feeds.
