قبل عامين…
نوفمبر 6, 2009 at 8:39 م | In Uncategorized | 4 Commentsفي مثل هذا اليوم… كان الفراق الأول…
قبل عامين، بالضبط… كنت اجلس مذهولة غير مصدقة… احدق في صورتك و في ورقة الدولار التي بحثت عنها في محفظتك قبل ليلة و حين لم تجد غيرها كتبت لي عليها “بحبك… و الك” و وقعت عليها… و كان نفس السؤال يتكرر في عقلي المذهول مرة بعد مرة: “لماذا فقط حين ارتاحت روحي اليك غادرت؟”
كانت ليلة باردة… و كنت ابتسم للجميع ابتسامة جوفاء… ليس منها ما يشبه الابتسامة سوى شكلها…
كان الليل صامتاً… و الهدوء موحشاً… وكنت قابضة على جهاز الخلوي بشدة… كان صلة الوصل الوحيدة بيننا…
صباح ذلك اليوم، كان وداعاً صعباً…
كنت انظر اليك بالسترة الزرقاء الفاتحة و اقول داخل نفسي: “كم انت جميل! لماذا تبدو اليوم اجمل من العادة؟”
حين صافحتني… كنت اريد ان ادفن وجهي في صدرك و اختبئ هناك حتى اهدأ قليلاً… كنت اريد ان اقول لك: لا تسافر الآن… ابقى معي قليلاً حتى يشتد عودي و اصبح اصلب قليلاً… لا تتركني الآن…
كنت مصرّاً ان تودعني و انت مبتسم، رغم انني رأيت بوضوح اللوعة التي اختفت خلف ابتسامتك… كنت اريد ان اقول: انا ايضاً اريدك ان تبقى! لننسى موضوع السفر و الدراسة و نبقى سوياً!
لكنني رددت لك ابتسامتك… و حاولت ان املأ عيني منك… ان انقش صورتك في ذاكرتي جيداً…
حين سارت سيارتك و ابتعدت، رايتك كيف التفت الى الخلف، و بقيت عيناك تحتضنانني… و حين انعطفت السيارة يميناً، استدرت الى النافذة الأخرى… اعرف انك لم ترد ان تضيع منك و لو لمحة… قاومت نفسي بشدة حتى ابقى واقفة مكاني، ولا اجري خلف السيارة…
ها انا الآن وحدي من جديد…
تتجاذبني الافكار… و يؤرقني الحنين…
افكر ان ما بقي اقل من ما مضى… فأسعد… افكر في الاحداث القبيحة التي حدثت، فأشعر بالرعب… من الغد… اخشى ان يكون ما حصل حكم على قصتنا بالنهاية…
اشعر بأنني على وشك الانهيار… بذلت كل جهدي كي لا نصل الى هنا… اشعر بمرارة خانقة…
“حبيبي يا نجمة ليلي… يا منولي السراديب… مكتوب على كف العاشق… روح بلدك يا غريب”…
اشعر بروحك بشدة… اعرف بماذا تشعر… اتمنى ان احتضن روحك المتعبة و اهمس لها: “لا غربة بعد اليوم…”
اشعر بنفس الغربة… حتى وسط الجميع… حتى حين يرتفع صوتي بالضحك اللامبالي، و حين يصفونني بالبشوشة الضاحكة… روحي تشعر بعزلة قاتلة… عزلة لم يخففها علي سوى انت…
هل فكرت يوماً بما سأقوله الآن؟
هل نظرت يوماً الى الفراغ الذي يفصل ذراعك عن جذعك؟ لقد صمم على مقاسي تماماً… حتى لا يشغله احد سواي…
الم تفطن الى ذلك يوماً؟ اظن انك لا حظت ذلك… في تلك الليلة الرمضانية التي كنا منصرفين فيها من النادي… هل تذكر كيف استوقفتني ليلتها؟ هل تذكر كيف همست لي بشوق: “احبك… لا تذهبي و تتركيني”… يااااااه… ليس ذلك شيئاً ينسى!
لقد زرتني الليلة في المنام…
اندهشت كثيراً لأنك حين صافحتني شعرت بيدك تماماً! شعرت بها كأنني أمسكت بها!
ثم حين لم تسر الأمور كما نريد، احتضنتني و رحت انا ابكي… بكيت كثيراً و كنت اشد نفسي اليك… امسكت بك بشدة و خبات وجهي في صدرك و اغلقت عيني بقوة! تماماً كما يمسك الطفل الخائف امه بشدة كأنه يخاف ان يأخذه احد منها! استيقظت من نومي وانا اهذي… تماماً كما كانت حالتي حبن اصبت بالتهاب الرئة قبل ما يقرب الثلاثة اشهر، بعد سفرك مباشرة…
خفت كثيراً عندما فتحت عيني و لم اجدك… لكنني ادركت سريعاً انه حلم فهدأت…
“ربك لما يريد…
احلامنا حتتحقق…
و كلامنا حيستدق…
و الغايب هيعود…
ربك لما يريد…
الصعب بيتهون…
و الحزن بيتلون…
طول ما الايد في الايد…”
انا و انت… و المطر…
أكتوبر 30, 2009 at 11:52 ص | In Uncategorized | 2 Commentsيغمرني الشتاء بسكينة دافئة…
احب المطر… و الهواء البارد… و السماء الغائمة…
هل تتذكر اننا تعارفنا في الشتاء؟
في اولى لقاءاتنا، كان الغيم الرمادي يملأ السماء… و كنت انت مرتدياً بذلة سوداء دون ان ترتدي فوقها شيئاً دافئاً… كانت الوقت خريفاً… و اذكر جيداً حين صافحتني، حينها قلت لنفسي: “يداه باردتان جداً”…
ليديك ملمس خاص حين تصافح… هل اخبرتك بهذا يوماً؟ من النادر ان تكونا باردتين… لذلك اظن انك يومها كنت تشعر بالبرد، رغم انك كنت تبدو انيقاً جداً ببذلتك السوداء، و ربطة عنقك الموشاة بنقوش صغيرة… ربما هي مربعات… لم اتمكن يوماً من ملاحظة نقوشها جيداً، فمن الصعب ان اضيع وقتاً استطيع ان انظر فيه الى وجهك في النظر الى ربطة عنقك!
كان للشتاء دوماً وقع خاص في نفسي… فهو فصل القصص و الحكايات… و الليالي الدافئة… لكنه زاد حميمية و دفئاً حين قدّر لي ان تكون لي فيه ذكريات معك…
في ايام الشتاء، كانت الشمس تغرب قبل انتهاء يوم العمل بكثير… و كانت اخر ساعة من الدوام تأتي دائماً و الدنيا معتمة… كنا احياناً نمل الجلوس بين الجدران و خلف الزجاج، فنخرج الى الحديقة…
كوب من الشراب الساخن… و سيجارتك… و انا و انت بملابسنا الثقيلة، و البخار المتصاعد من افواهنا حين نتكلم او نضحك… واقفان في الحديقة، و شلال من الاضواء الصفراء يغمرنا من اضواء الحديقة، و من ما تسرب عبر النوافذ الزجاجية الطولية الكبيرة للكافيتيريا…
حتى حين كنا نجلس في الداخل… في هواء الكافيتيريا الرطب الثقيل المفعم بشتى الروائح الشتائية… يهوج ما حولنا و يموج بالاحاديث الصاخبة و الضحك و المداعبات و الطلبات… و انا و انت على طاولتنا لا نسمع شيئاً مما يدور حولنا… انت باحاديثك الشجية و ابتسامتك الساحرة و ضحكتك الصغيرة الموسيقية… و انا بعيني الدارستين… بذلك الشيء المبهور في خلفية عقلي بهذا التركيب العجيب من العواطف و التجارب و الافكار و الخبرات… بذلك الهمس الذي يتردد في داخلي، يتمنى ان لا تنتهي هذه الجلسة ولا ينقطع هذا الحديث…
ابتسامة عريضة تغمرني حين اتذكر جمعية البلدة… حين اقترحت علي العمل معكم كنت مرتدياً ذات المعطف ذي الياقة الفرائية… كانت تفوح منك رائحة عطر زكية… كل ما فيك حينها جعلني اشعر بشوق جارف لشيء ما… افهمت نفسي حينها ان هيئتك و كلامك و رائحة عطرك المختلطة برائحة السجائر و القهوة ترسم تماماً صورة مثالية لشاب محلي من بلدتي و ثقافتي… وان هيئتك حينها جعلتني اتمنى ان ارتبط بشاب مثلك… لكن الحقيقة انك كنت يومها في احدى ابهى صورك… و كان شيء ما في عقلي الباطن يحاول ان يرفع صوته ليقول لي انني وقعت في حبك، لكنني كعادتي اسكته قبل حتى ان اسمع ما يريد…
كانت ايام الجمعية اياماً لا تنسى…
في عز المطر، كنت استقل سيارتي و آتي… لم يوقفني مطر و لا برد… لم اتغيب الا مرة واحدة، التقيتك بعدها في العمل و اخبرتني كل ما قيل… كنت تعتني بي عناية استثنائية… كنت تريدني دائماً ان اعرف كل شيء…
كان الجميع ينصرفون مسرعين، و نبقى انا و انت في الردهة… احدنا يستوقف الاخر ليسأل سؤالاً، ثم نقف سوياً الى ما شاء الله… نتحدث في الردهة همساً، نخطط لشيء ما، نناقش مقترحاً ما… و صوت المطر بنهمر في الخارج… و روائح المدافئ و دخان العجائز الذين يتناثرون في الغرف التي على جانبي الردهة… و صخب الصبية الذين يلعبون الـ”بولينج” او يشاهدون المباريات بعيداً في القاعة الداخلية…
صورة مثالية لحبيب يحقق كل ما تمنيته يوماً… في شخصه… في محليته… في اندماجه في حياتنا البسيطة في البلدة… في طموحه الكبير…
صورة مثالية… في مكان مثالي… و وقت مثالي… و جو مثالي…
صورة اروع بكثير من ان تكون حقيقية… و ان كانت قد تحققت يوماً، فهي على ما يبدو اجمل من ان تدوم…
من يدري؟ فاقدار الله تعالى دائماً ما تدهشني بحسن تدبيرها الالهي…
تحت تأثير الصدمة
أكتوبر 16, 2009 at 7:20 م | In Uncategorized | 4 Commentsلا يزال اكثر زائرينا حقيقة و حتمية و دقة في مواعيده…
لكنه رغم ذلك اثقل الزائرين…
الموت!
خالي يكبر امي بعدة اعوام… ينادونه “ابو فراس” رغم اني لم اعرف من ابنائه سوى عبدالله و محمد و فاطمة. فراس، يكبرني بعامين، لم أعرفه الا في الصور… رأيت جدتي تحتضنه و تلعب معه… و من انخفاض رأسه الذي يجعله يبدو و كأنه يحدق في شيء ما على الأرض، و من انقباض يديه، يعرف الناظر ان به خطباً ما…
توفي فراس يوم ميلادي الثاني عن عمر يناهز اربعة اعوام… كان مصاباً بحالة متقدمة من الشلل الدماغي. لا اذكر فراس ابداً… كان هذا فقط ما قيل لي عن ذلك الطفل الذي يجلس في حجر جدتي في الصور القديمة…
بعد ولادتي بعام، ولد عبد الله… لا أزال اذكره حتى اليوم… طفلاً ابيض البشرة… جميل الوجه… هزيل الجسم بحيث يتتبع الناظر اليه عظامه بسهولة…
عبد الله ايضاً كان مصاباً بالشلل الدماغي، و رغم انه كان اصغر مني بعام، الا انني كنت امشي و اقفز و العب و ارقص، بينما عبدالله لا يزالون يحملونه و ينقلونه ممداً في مقعد الأطفال “تشيكو” البرتقالي الصغير… غير واعٍ لما يدور حوله… لا يتكلم… بل يبكي حين يريد شيئاً او يضايقه شيء بأنين متألم يقطع نياط القلوب…
كان ملاكاً صغيراً عاجزاً عن كل ما يقدر عليه الأطفال…
توفي عبد الله في السادسة او السابعة من عمره، لا اذكر بالتحديد… توفي بعد بضعة ايام من المرض و البكاء و الأنين المتألم…
ثم ولد محمد… حين ولد محمد كنت انا في الثامنة من عمري… كان طفلاً معافى، سميناً صحيح الجسم و العقل… و كنا حين نزور بيت جدتي، نقطع الرواق الصغير الى بيت خالي و ندق الباب، و حين تفتح زوجة خالي الباب كنا نقول لها: “جئنا لنلعب مع محمد”…
كان محمد طفلاً مكتنزاً… جميلاً… له عينان واسعتان…
كان لديه من الطاقة ما يجعله يركض طوال النهار و يتعب جيشاً كاملاً من الكبار يركضون خلفه بالتناوب، و كان يصل المساء و هو لا تزال فيه طاقة ليبتسم في وجه اي قادم جديد و يقول له: “هيا نلعب؟”
و كبر محمد… و كبرت معه مشاكله… كان طفلاً مدللاً، لكنه طيب القلب جداً… كان الكبار يغدقون العطاء عليه، دون ان يفهموا انه لم يكن بحاجة لألعاب و اطايب، بل كان بحاجة لمن ينظر اليه بحب، و يلعب معه، و يلوث نفسه بالتراب و الطين معه… كنا نحن ايضاً صغاراً وقتها، و لم نكن نفهم ذلك جيداً… كنا نلعب معه، و كان يحبنا جداً… لكن الكبار كانوا دائماً يحابونه علينا… كانوا يفضلونه، و كانوا يمنعوننا من شراء المأكولات التي لا يسمح له خالي بتناولها حتى لا يراها و يطلبها… و كانوا يعطونه -خلسة- كل ما ننساه من ألعاب… قبل ان نفهم ما يجري كان يغيظنا جداً… لكننا حين فهمنا، غفرنا له… و سامحناه… و ضممناه الى مجموعتنا الكبيرة، ففي النهاية… لم يكن ذنبه ان خالي هو الابن الوحيد لأم ارملة لديها اربع بنات سواه… و لم يكن ذنبه انه الابن الوحيد الذي عاش و كبر من ابناء خالي، و لم يصب بالشلل الدماغي كفراس و عبد الله…
لا اذكر كم كان عمري بالضبط حين ولدت ابنة خالي فاطمة… ربما في الثامنة عشرة او في التاسعة عشرة… كان محمد في التاسعة او العاشرة، و فرح جداً انه قد اصبح له اخت… فاطمة الصغيرة، التي كانت تشبه محمداً كثيراً، اصبحت تقف على اقدامها و تركب عربة الأطفال الصغيرة… و بدأت تتكلم… حين لاحظت ذات يوم شيئاً ارعبني… انحنيت لأتناولها من عربة الاطفال و احملها بين ذراعي، كنت اناغيها و الاعبها حين لاحظت فجأة ان بؤبؤي عينيها يتحركان باستمرار و يمنعانها من تركيز نظرها في شيء محدد… خفت… و تذكرت فراس و عبدالله… مرت ايام كنت افكر فيها بيني و بين نفسي، هل اخبر احداً بملاحظتي؟ لم تمر بضعة ايام حتى اخبرتني امي: فاطمة شخص الاطباء اصابتها بالشلل الدماغي…
تراجعت حالتها كثيراً… فبعد ان بدات بالسير على قدميها ضمرت قدرتها و لم تعد تقوى حتى على الجلوس، و اصبحت طوال الوقت ممددة… و لم تعد قادرة على نطق الاشياء البسيطة التي كانت قد بدأت تقولها…
و توفيت فاطمة و هي في الخامسة من عمرها… طفلة عاجزة عن كل شيء…
و بقي محمد… الابن الوحيد لأب و أم فجعا بابنين قبله و ابنة بعده…
محمد اصبح هو الأمل و هو المستقبل… و تماماً كما كان من قبل، ظل المفضل و المدلل من الجميع، البعيد بافكاره و ذهنه عن الجميع… الذي يئس من ان يسمعه او يستوعبه احد من الكبار الذين يغدقون عليه العطاء…
في السنة الماضية كان محمد طالب ثانوية عامة… طوال فصله الدراسي الأول لم يكن يدرس كما يجب، و رسب في بضعة مساقات… لكنه قرر انه سيعدل الأمور في الفصل الدراسي الثاني حتى لا يخيب امل امه و ابيه…
و في الفصل الدراسي الثاني، حين بدأت الامتحانات، اصيب بالتهاب بالأمعاء… تغيب على اثره عن امتحان او اثنين، و نجح بالبقية بالكاد!
هذه المرة، كان الجميع يعرفون انه بذل ما في وسعه، و لم يغضب منه احد… بل اعتنى به الجميع حتى شفي من المرض الذي تسبب باضعاف دمه و جسمه بشكل عام…
و بقي عليه ان يستعيد عافيته و قوته شيئاً فشيئاً…
لكنه لم يستعدها…
توفي محمد قبل بضعة ساعات…
و تركنا جميعاً مذهولين… لأنه نجا من الشلل الدماغي الذي فتك باخوته الثلاثة، و توفي بمرض بسيط…
توفي محمد قبل قليل… و تركنا نتذكر وجهه الذي اشحبه المرض و ندعو له بالرحمة و المغفرة…
اللهم ارحمنا من موت الفجأة، و لا تقبض ارواحنا الا و قد اعددنا عدتنا للرحيل الى دار الحق…
آمين…
يوم مميز…
أكتوبر 7, 2009 at 5:19 م | In Uncategorized | 10 Commentsرغم كل شيء، لا يزال هناك متسع من الاشياء الجيدة!
مديري في العمل رجل امريكي… هو من افضل الناس الذين عرفتهم خلال حياتي… فهو عدا عن كونه مطلعاً و صاحب خبرة في مجال العمل في ايواء اللاجئين، هو ايضاً شخص مؤدب و خلوق الى ابعد الحدود…
توطدت علاقتي به حين كنا نحضر دورة تدريبية متخصصة و ذكر خلال مداخلة ما أنه كان يعمل في منطقة تقع في وطن اجدادي… يومها توجهت اليه بعد انتهاء الجلسة و سألته ان كان مكتب المنظمة الموجود هناك لا يزال عاملاً، فاجابني بانه اغلق حين انجز مهمته، و سألني لماذا اهتممت بالموضوع… يومها اخبرت ان جذوري تعود الى هناك، و ان اجدادي هاجروا من تلك المنطقة هرباً من الحروب و فراراً بدينهم، او لنقل ان هذا ما فهموه وقتها. فرح مديري بذلك جداً، و اخبرني بأنه عاش فترة في تلك الفترة، و زار كل زاوية في تلك المنطقة، و انبهر بالطبيعة الخلابة التي تنعم بها المنطقة هناك…
ذكر لي مديري اكثر من مرة بأن علي -على الأقل- أن ازور وطن الأجداد…
قبل بضعة ايام، كان احد اللاجئين يواجه مشكلة هو و عائلته… مشكلة كانت ستؤدي الى احتجازهم جميعاً في نقطة شرطة…
و يومها كنت اعمل على متابعة هذا الأمر مع مديري و مع اللاجئ و عائلته… و فجأة وقت الظهيرة، فقدت الاتصال باللاجئ… مضى الوقت و انا احاول الاتصال به بلا طائل… و بقيت نصف ساعة من يوم العمل… حاولت ان اتصل بمكتب مديري لأخبره عن ذلك، لكنه كان خارج مكتبه… فاضطررت لمغادرة المكتب دون اخباره و توجهت الى جامعتي…
لكن اللاجئ و زوجته و اطفاله الثلاثة لم يغادروا تفكيري… كان من الممكن ان يقضوا ليلتهم في مركز الشرطة… فاتصلت بمديري ما ان وصلت الجامعة و ركنت سيارتي لاخبره انني لم انجح بالتصال بعائلة اللاجئين طوال اليوم… تفاجأ مديري يومها لأنني اتصل به بعد انتهاء ساعات العمل الرسمي لأخبره عن ذلك! و قال لي: “يا الهي! عندما يتعلق الأمر بالعمل انتِ اكثر جنوناً مني!” و شرحت له حينها ان كلاً منا سيعود الي بيته، لكن هذا الرجل الحزين و اطفاله الذين لا يتجاوز اصغرهم عمر الثالثة سيقضي ليلته في مركز الشرطة ان تركناه…
اليوم، كنت في مكتبه لنناقش شيئاً ما… و تصادف ان ذكر لي ذلك الموقف ضاحكاً… فرجوته ان لا يظن انني مدمنة عمل او شيء من هذا القبيل، و شرحت له كيف ان لي اسباباً لآخذ عملي هذا على محمل الجد…
اخرجت صورة الثالث من محفظتي… و اريتها له… قلت له ان هذا هو خطيبي المفترض، و ان الأمور لو سارت كما خططنا لها لكنا الآن متزوجين و نعيش بسعادة و هناء في وطن اجدادنا… اخبرته انه هناك يدرس تحضيراً لنيل درجة الدكتوراة، و اخبرته ان هذا الانسان لا يعني لي فقط “حبّاً” رومنسياً و السلام… شرحت له كيف كنت قبل ان اقابل الثالث اعيش كما كل الفتيات… و لا اطمح لشيء مميز… اخبرته عن عملي السابق، و كيف التقيت بالثالث فيه… و كيف نمت افكارنا و نضجت سوياً… و كيف مللنا ان نكون مثلنا مثل غيرنا، اغناماً في القطيع لا ترفع رأسها في حياتها لأن كل همها هو مضغ الحشائش… اخبرته كيف ساعدني الثالث لاكتشاف ذاتي، و لادراك ما حباني الله تعالى به من قدرات…
اخبرته كيف تمت مضايقة الثالث… و كيف اتهموه زوراً بالكثير من الأشياء… و كيف انه اصر ان يعود لأن رسالته رسالة سلم، لا رسالة عنف… و ان كل ما يهتم به هو التنوير الاجتماعي… اخبرته كيف ان هذا الرجل يستحق جائزة نوبل للسلام لو فهم العالم رسالته…
تكلمت عن الثالث كثيراً… و استمع مديري كثيراً… اهتم بكلامي عنه… و هنأني لاختياري شخصاً كهذا…
تكلمت و كأن شيئاً لم يحصل بيني و بين الثالث… تكلمت و كأنه كان جالساً معنا… تكلمت بشوق، و بشغف…
ودعت مديري و خرجت عائدة الى مكتبي في الطابق الثالث…
قطعت الطريق و انا افكر كم يعني لي…
احياناً لا يعود الحديث مع النفس فعالاً، لذلك نحتاج ان نتحدث عن اشيائنا امام آخرين، و نسمع انفسنا نتحدث…
هذا بالضبط ما حصل اليوم…
و جعلني انظر الى الانسانة التي كنت عليها… و الانسانة التي اصبحت عليها…
شعرت بالفرق بين الانسانة الساذجة الخجولة حد المرض… حسنة النية حد الغباء… العاطفية بسقم… و بين الانسانة القوية، حسنة النية بذكاء، العاطفية باستقرار التي اصبحتها…
فهمت ان الثالث لم يكن حباً و فقط… بل كان حباً… و استاذاً… و مرشداً… و معلماً…
لا اعرف شيئاً عن المستقبل…
لكنني اعرف انني احبه حد الجنون… و ان حياتي هي اما معه او بدونه… اما ان اكون مع سواه، فهذا ليس خياراً ابداً…
ففي النهاية، لقد صنع الثالث بي تأثيراً لا يمكن عكسه…
امسك يدي… قادني الأمام برفق، ثم هدم كل الجسور التي تربطني بكل ما هو سيء في الماضي…
احبك…
احبك بجنون…
تأملات…
سبتمبر 24, 2009 at 5:15 ص | In Uncategorized | التعليقات مغلقةمر اربعون يوماً الآن…
اربعون يوماً لا أعرف كيف قضيتها…
لا اعرف شيئاً… لا اعرف اي شيء…
عجيبة هي الحياة… و غريب ما يحدث فيها…
ماذا علينا ان نفهم منها؟
ولماذا حين نتمسك بما فهمنا منذ صغرنا انه “صحيح” تصفعنا الحياة لتخبرنا اننا لسنا الا اغبياء سذج حين صدقنا ان هذا هو ما يجب ان نكون عليه؟
افكر في صديقتي…
صديقتي التي اعجبت ذات يوم بشخص ما، و تصادف ان صارحها اخوه باعجابه بها، و لم يثنها اعجابها باخيه عن تقبل مشاعره بترحاب حتى لا يضيع من يدها، فهما من عائلة ثرية جداً… لكنها لم تحببه ابداً، ولا استغرب ذلك، فانا اعرفه و اعرف انه شخص اقل ما يقال عنه انه “بغيض”…
و دارت الأيام، و عبر الأخ الذي كانت صديقتي معجبة به عن اعجابه بها، و كان ذلك قمة ما تتمناه، لكنها اخبرته كل شيء عن ما كان بينها و بين اخيه، و اصر رغم ذلك على موقفه و على تمسكه بها… و ابتدأت بينهما علاقة حب استمرت لما يقارب الشهرين تعلقت خلالهما به الى حد الجنون، لكنه فاجأها بانهاء علاقتهما بدون اية اسباب واضحة! رغم اننا كنا فاهمتين تماماً ان الأمر متعلق بأخيه و بالمشاعر التي اكنها يوماً لصديقتي…
حاولت صديقتي بشتى الوسائل ان تؤثر عليه، و تعيده اليها… لكنه كل محاولاتها ذهبت ادراج الرياح…
و في قمة تعلقها به، و خلال محاولاتها المستميتة لتعيده اليها، لم يمنعها حبها له من ان تبدأ علاقة جديدة مع شخص آخر… لم تحبه يوماً رغم انه كان متيماً بها… كان كل خطأ ترتكبه في حقه افدح من الذي قبله، و كان دائماً ما يجد طريقة ليلوم نفسه هو و يخرجها هي من الملامة… حاولت بضعة مرات ان اطلب اليها ان تنسى حبيبها السابق و تبادل هذا الشخص حبه بحب مماثل و لا تتخلى عنه لأنه هو من يستحق حبها، لكنها دائماً كانت تتصرف و كأنني اقول لها: لا تدعيه يفلت من يدك في حال لم تتيسر اموركِ مع حبيبك!
لم تقطع علاقتها به، و استمرت معه حتى بعد ان عرفت عائلتها بالأمر و اعترضت على الشاب اعتراضاً شديداً لأنه ليس بمثل ثرائهم… لم يكن الأمر انها تركته هو يبادر بالتمسك بها لتنجو من تأنيب الضمير، بل كانت كلما غضب و حاول الابتعاد تبادر الى مراسلته و الاتصال به! كثيراً ما سألتها: “هل تحبينه؟ و لذلك تعيدينه اليكِ؟” و كانت دائماً تجيب: “انا لا احبه ابداً و لكنني لا استطيع ان ابقى وحدي”…!
الطريف في الأمر، ان كل ذلك لم يمنعها من استقبال اية متقدمين لها يأتون عن طريق المعارف عبر ما يسمى بـ”زواج الصالونات”! هي لم تكن تعرف الثالث، لكنني ذكرت مرةً امامها -عرضاً- ان احد زملائي سألني ان كنت مرتبطة ام لا، لان هناك شخصاً مهتماً بي و يريد ان يعرف حتى يتقدم لي في حال لم اكن مرتبطة… وقتها سألتني: “و ماذا اجتِه؟”
-”قلت له شكراً لك و لكنني مرتبطة…”
-”الم تعرفي من هو الذي يريد خطبتكِ؟”
-”كلا… لم اسأله من هو أصلاً…”
-”مجنونة!”
-”مجنونة؟!! لماذا؟”
-”كان يجب ان لا تخبريه بأنك مرتبطة و تتركي الشاب الآخر يتقدم لكِ و من ثم تقارنينهما و تقررين من تريدين!”
-”انتِ تمزحين، اليس كذلك؟ الم اخبركِ بأنني مرتبطة بالثالث؟”
-” و ان يكن! مرتبطة لكن لا شيء رسمي و يمكن ان تنسحبي بأية لحظة! ربما كانت هذه فرصتكِ! ربما كان افضل من الثالث!”
-”اسمعي عزيزتي… ان لا اريد الأفضل… انا اريد من احببته من اعماق قلبي و عاهدته على الوفاء له حتى يعود… و لا تكلميني في هذا الأمر مرة اخرى حتى لا تخسريني…”
و من يومها لم اذكر امامها شيئاً عن الأمر…
ما يضحكني حقاً هو ان صديقتي هذه تزوجت الآن… لا بمن كانت تحب… و لا بالذي احبها و هام بها… بل حرصت على ابقاء علاقتها بذلك الشاب الذي احبها حتى ضمنت “عريساً” ثرياً و مناسباً للهالة التي تحيط اسرتها نفسها بها… و فاجأته بالزواج من الـ”عريس”… لا، لم اصل بعد للمقطع المضحك… صديقتي هذه تعيش الآن حياة سعيدة جداً تخلو من أية منغصات… نعم! لقد كافأتها الحياة على كل ذلك بالسعادة! هي صديقتي و عزيزة جداً على قلبي… و انا سعيدة جداً لسعادتها…
لكنني حين انظر الى نفسي، و الى ما يحدث معي، اضحك و الدموع تنساب على وجنتي…
لا أدري هل آسف على نفسي؟ هل اندم؟ اسأل نفسي الف مرة في اليوم: هل أنا على صواب؟ هل الوفاء صح أم خطأ؟
انظر بعيني ذاكرتي الى نفسي كيف كنت استمتع بالحفاظ على نفسي من نظرات الجميع، و اوضح للجميع بأنني فتاة لرجل واحد اسمه “الثالث”… و أنه لن يحلم اي رجل في العالم ان اكون له سوى حبيبي… و اضحك على سذاجتي، حين اتذكر كم كنت مسكينة حين كنت افهم انني افعل الصواب حين اخلص لحبي… ياااااه ما أشد الألم… كم هو مؤلم ذلك الشعور… حين افاجأ بأن الحياة عاقبتني على اخلاصي بهذا…
ماذا علي ان افهم من كل هذا؟ هل كنت انا على خطأ حين اخلصت لك؟ حين حلمت بأن اهديك نفسي ليلة زفافنا نقية طاهرة حتى من احلام رجل آخر؟
هل كان علي فعلاً ان اقيّم كل عروض الزواج التي تأتيني على اساس انه لا شيء ملزم بيني و بينك، و انه بمكنني الانسحاب في اية لحظة؟
هل كان علي ان ابحث عن زواج مريح يأتي و معه البيت الواسع المؤثث اثاثاً فاخراً، و الرجل المطواع ذو المرتب الجيّد الذي يقول لي: “اتركي سيارتك لأهلك، فقد اشتريت لك سيارة دفع رباعي كبيرة باسمك”؟
هل كان علي ان اتصرف ببرود و صفاقة؟ هل كان خطأً اصلاً ان يكون لدي مشاعر و افكار ومئات الاسئلة و الاهتمامات التي تشاركنا بها في شغف؟
لماذا؟ لماذا حين تأتي الصفعة الأكثر ايلاماً تأتي من اعز الناس؟ لماذا؟ لماذا؟
لماذا اكتشف فجأة ان اليد التي تغرز اقسى سكين في قلبي هي اليد التي طالما تمنيت ان تقبلها شفتاي و ان نتركها تلمس بشوق وجهي و تزيح عنه خصلات شعري الصغيرة؟
لا تركني افكاري في حالي…
لا انام…
افكر في كل هذا و انا اهرب من زحام الحياة الى غرفتي الصغيرة و استمع الى موسيقى “ليلة القبض على فاطمة”… و تمر في بالي الخواطر تباعاً…
تجعلني هذه الموسيقى افكر في اللحظات التي نتخذ فيها قرارات صعبة… في مواجهة قاسية مع لحظات العمر نكتشف فيها ان السنوات مرت تباعاً و تركتنا فجأة امام النهايات… في نظري الى نفسي و الى الساذجة التي كنتها… في خجلي من حسن نواياي المفرط، و الذي اتهمت فيه… وفي غصتي حين وجب علي ان اقف ذليلة مدافعة عن حسن نيتي دون ان يصدقني احد… في الشعور المرّ الذي تخلفه النهايات… في وحدتي التي كانت لذيذة حين كنت اختلي بروحك… حين كنت تقول لي: “صديقي سافر و انا الآن وحدي، كم شعرت بالوحدة حين اطفأت الضوء و تمنيت ان تكوني بجانبي… يااه كم اشعر بروحك قريبة الآن…”
تجعل هذه الموسيقى ذكرياتي تمر أمام عيني تباعاً… ذكريات ازدهرت يوماً بحضورك… ذكريات استمدت حياتها من دفئك…
ذكريات جميلة… حنونة… دافئة…
ذكريات… اكثر ما يؤلم فيها انها ما عادت اكثر من ذكريات…
و أن بطلها قد غادر…
و تركني…
وحدي…
أن تكون امرأة…
سبتمبر 16, 2009 at 3:27 م | In Uncategorized | 4 Commentsقبل قليل عدت من الخارج…
دخلت المنزل و في داخلي تغلي مراجل من الغضب…
ساقص عليكم باختصار ما حدث معي… طلب مني الطبيب ان اجري فحصاً للدم. و بشكل طبيعي توجهت بعد انتهاء ساعات عملي الى احد المختبرات الطبية لأجري الفحص المطلوب. الدنيا رمضان، و العيد قريب… لذلك فان الشوارع تختنق بما فيها من سيارات…
كان المختبر مغلقاً، فعدت الى سيارتي و انطلقت على عجل الى مختبر آخر… الشارع مكتظ… السيارات مصطفة على طول الرصيف، و تقريباً مثلهم يقفون وقوفاً مزدوجاً… دخلت احد الشوارع الفرعية و قمت بالتفافة اعادتني الى بداية الشارع الذي قطعته مرة اخرى وأنا اقود ببطء على يمين الشارع بحثاُ عن موقف، عبثاً! قررت ان اقوم بالتفافة اخرى بحثاً عن موقف، و اثناء سيري في الشوارع الخلفية عودةً الى بداية الشارع وجدت قطعة ارض فارغة قدرت أنها خلف البناية التي تحتوي المختبر.
قطعة ارض ليس فيها اي اشارة انها ملك لأحد او انها موقف لأحد ما… تناثرت فيها بضعة سيارات… ترددت قبل ان اركن سيارتي فيها، اذ ان لها مدخلاً صغيراً هو عبارة عن انهدام في السور الذي يسورها، و من الواضح ان الجميع يستخدمون هذا الانهدام للدخول الى الساحة.. و كان المكان الوحيد الذي استطيع الوقوف فيه يغلق طريق سيارتين او ثلاث… لكنني لا أملك خياراً آخر، فالوقت ينفد مني و احتاج ان اراجع الطبيب و بيدي نتيجة الفحص غداً و الا سانتظر حتى ما بعد العيد… حاولت ان ابحث عن احد استأذنه او اخبره او اعتذر منه مسبقاً لكن الساحة كانت فارغة تماماً من أي انسان…
اوقفت سيارتي هناك و ترجلت الى وجهتي و انا عازمة على الانتهاء بأسرع وقت حتى لا اعطل احداً… لم تأخذ زيارة المختبر اكثر من عشرة دقائق، عدت بعدها مسرعة الى سيارتي… ما ان دخلت الساحة حتى رأيت اربعة رجال منظرهم لا يبشر بخير متكئين على احدى السيارات، و رجل آخر يقف بعيداً عنهم اقل ما يقال عنه انه “حثالة”… و عامل بسيط يقوم بغسل احدى السيارات… لمحت حافلة نقل تقف بطولها على مدخل الساحة مغلقةً اياه… ظل الرجال يحدقون بي حتى وصلت سيارتي، و ما ان تأكدوا انني صاحبة السيارة حتى بدأوا بتوجيه العبارات الساخرة التي ابتدأت بـ”هيها شرّفت”… ثم قال احدهم موجهاً كلامه الي: “لقد اغلقتِ طريق خروجنا”…
هنا، بادرت باعتذار لبق، و قلت له: “أنا اسفة جداً ارجو ان لا اكون قد اخرتكم” و دخلت سيارتي و اغلقت ابوابي و جلست انتظر صاحب الحافلة التي تغلق مدخل الساحة حتى يأتي و يحرك حافلته من مدخل الساحة بهدوء…
لم تنزل انظارهم الوقحة من علي، و ظلوا يتبادلون كلاماً لم افهمه من مكاني، و لم اركز لأفهمه… كان الطقس حاراً جداً لذلك كان من المستحيل ان ابقي نوافذي الزجاجية مغلقة اثناء انتظاري… سأشوى بلهيب الشمس ان طال انتظاري قليلاً… اقترب العامل البسيط و قال لي: “هؤلاء الرجال يغلقون طريقكِ عمداً”…
لم اعرف ما أقول… سكتت… ثم قلت له:” لا بأس… سأنتظر…”
ثم توجه اليهم بالحديث: “عيب عليكم… أخرجوها”
فقال الرجل الـ”حثالة” من مكانه: “لن احرك شيئاً من مكانه… دعها تعرف ماذا فعلت بنا… لن اتحرك من هنا حتى انهي عملي” كان غاطساً بين بعض الخردة…
ظل الأربعة المتكئون على السيارة يلقون على مسامعي كلمات وقحة و يهزأون بي… و الرجل الغاضب في الخلف يهدد و يتوعد و يعلن غضبه… و انا جالسة في سيارتي… لم احرك ساكناً، و لم انظر ناحيتهم الا هنيهة صغيرة فضلت بعضها ان احتفظ بنظري في حدود سيارتي حين رأيت مبلغ ما في عيونهم من انحطاط و وقاحة و حقارة…
فكرت بأنني لو تصرفت مثلهم مع كل اخرق يتصرف خطاً في الشارع لما تركت احداً من شري…
فكرت بأنهم حقراء منحطون يستمتعون بالاستقواء علي لأنني فتاة، و لأنني وحدي… نظرت الى اجسادهم الرخوة اللزجة، و فكرت بأنني اقوى منهم جميعاً، و بأنني لو قصدت فبامكاني ان اتسبب لكل واحد منهم بعاهة تذكره طوال عمره بأن امرأة ادّبته، لكنني ادركت انهم خمسة، و أنا واحدة…
كانت مرة من المرات القليلة في حياتي التي خفت فيها… جلست و الهدوء و اللامبالاة ظاهرة علي، لكنني من داخلي كنت ارتجف خوفاً… و كان الرجال يراقبونني بمتعة منتظرين استجابة تشعرهم بانهم تمكنوا من اللعب بأعصابي…
احد الواقفين توسمت فيه خيراً… لم يكن يظهر عليه الانحطاط مثلهم… و كان ملتحياً و يبدو مختلفاً عن البقية… فكرت، لو اخذت بطاقة المختبر و اخذتها له و اريته التاريخ، و شرحت له انني لو لم اكن مضطرة لما اوقفت سيارتي هنا، فمن المؤكد انه سيتفهم، و سيطلب من صاحب الحافلة ان يزيح حافلته، و سيبتعد بالتأكيد لأنه رجل مثله، و اقل ما فيها سوف يفكر انه رجل مثله -تعادل قوى-… لكنني صرفت النظر عن الفكرة و فضلت ان ابقى داخل سيارتي… لو خرجت خارج اسواري الاستراتيجية فسأفقد قوتي… و يبدو انها بالنسبة لهم حرب اعصاب…
بدأ صوت الرجل الـ”حثالة” يعلو… و بدأ غضبه يزداد… و ازدادت ضربات قلبي عنفاً…
و حين بدأ بالصراخ و ضرب السيارات يميناً و يساراً، اقترب الرجل الملتحي، ذلك الذي يبدو متديناً و قد توسمت فيه الخير، من سيارتي، و قال لي: “لكن اخرجي بسرعة”…
لم افهم ما يقصد بداية، حتى رأيته يفتح باب الحافلة التي تغلق باب الساحة و يركبها، و يبعدها عم المدخل مفسحاً المجال لي لأخرج!
اذاً هو من اغلق مدخل الساحة و احتجزني! و بفي واقفاً يرقبني و ينتظر ان اخاف و أنهار بكل صفاقة!
لم اكن في موقف قوة، فاخرجت سيارتي و انطلقت مبتعدة عن ذلك المستنقع القذر… و فكرت: ماذا لو تبين لهم فجاة بأن لدي صلات خطيرة مع علية القوم و انني استطيع زجهم جميعاً في سجن لا يعلم مكانه الا الله؟ ماذا لو كنت ابنة “عشيرة” كبيرة؟ ماذا لو كان معروفاً عن ابناء عمومتي انهم “زعران” و “بلطجية” عنيفون و متعطشون للدماء؟
تمنيت لو انهم يستطيعون ان يروا كم الاحتقار الهائل الذي بداخلي… تمنيت لو اخبرهم ان نعتهم بالقذارة هو امتداح لهم… و اكثر ما اغاظني هو الوقح صاحب اللحية… تمنيت لو اراه فجاة في مسجد لأبصق في وجهه و اقول له: “و ما يفعل الله تعالى بصلاتك و صيامك يا وقح؟”
لم تكن ثلة الحقراء هؤلاء فقط هم من أثار غضبي…
بل من كل المجتمع الذي اعيش فيه…
ما الذي كان سيحدث لو تمادى احدهم و تعرض لي فعلاً بالاذى؟
هل كان ابي سيقتص لي منه و يتركني لشأني؟ هل كان الاصدقاء و الأقارب ليقفوا بجانبي دون ان يلوموني؟ ففي النهاية، انا فتاة في السادسة و العشرين من عمري… مستقلة… غير متزوجة… لكنني في النهاية امرأة، لا استطيع ان اتقاتل مع مجموعة رجال! من الذي سيدافع عني دون ان يشعر بالتثاقل؟ و دون ان يشعر ان الدفاع عني يجب ان يكون مسؤولية احد آخر… و كوني غير متزوجة هو -طبعاً- ذنبي… فقد كان بامكاني ببساطة ان اقبل باي ممن تقدموا لطلب يدي، و كان الموضوع ليحل! كان سيكون لدي رجل يحفظ لي مكانتي و ياخذني هنا و هناك حين يلزم الأمر… يفرد نفسه و يمشي الى جانبي مفهماَ الجميع ان هذه التي تمشي بجانبه -التي هي أنا- هي “امرأته”، هي “له”، فلا يجرؤ احد على دوس طرفها…
لذلك، فلا معنى لأن احب احداً او انتظر احداً، او ان ارفض شخصاً ما لأنني ببساطة احب شخصاً اخر يملأ روحي و كياني و لا استطيع ان ادخل في حياتي رجلاً آخر…
“دعيها… تستحق ذلك… اليست هي من رفضت فلاناً؟ و فلاناً؟ و فلاناً؟ لو وافقت لكان لديها الآن اطفال… لتتحمل مسؤولية تكبرها…”
و عليه، و بما أنني على ما يبدو سأقضي ما تبقى من عمري وحيدة، فسأتعلم ان ادافع عن نفسي و احمي نفسي بنفسي…
و قد قررت اليوم ان اقتني عبوة من البخّاخ الحارق الذي يعمي العيون مؤقتاً عند رشه في الوجه لأدافع عن نفسي اذا لزم الأمر…
نعم، استحقّ… انا العنيدة التي جنيت على نفسي و رفضت الارتباط بأحد و تكبرت على الجميع… قولوا ما تشاؤون… لا اريد من اي منكم ان يقف الى جانبي او يساعدني او يدافع عني… انا سعيدة هكذا… فقط دعوني وشأني… اتركوني في حالي… اتركوني وحدي…
الى الثالث…
يوليو 27, 2009 at 9:42 م | In Uncategorized | 2 Commentsلو كنت واقفة أمامك الآن لتلعثمت و احمرّ وجهي… عزيزي، لا أجد الكلمات!!
دعني ارتب افكاري قليلاً لأعرف كيف ابدأ…
لو أردت ان استعين بالزمن فستسرقني الذكريات… ذكريات عام ابتدأ بمكالمة هاتفية شابني فيها شيء من الفضول لأسمع صوت ذلك الشخص الذي يمتلك تلك السيرة الذاتية الغنية!!… تبعها رؤيتي لشاب وسيم وادع الملامح، مرتبك… لم استطع ان اتجاهل العقد الفضي الذي يطل من قميصه… و لم استطع وقتها ان اقرر ان كان تصرفاً صحيحاً او خاطئاً ان اطلب منه أن يتصل برقم هاتفي الخلوي حتى يظهر على شاشتي رقم هاتفه الذي لم يكن يعرفه لأنه كان قد وصل من السفر حديثاً، و ان نقوم بتسجيله على ورقة الامتحان خلسة دون ان يلاحظ احد من الممتحنين الآخرين ما حصل… لم افطن الى أن شيئاً غريباً قد حدث الا حينما سألتني -وقتها- همساً: “هل تسمحين ان احتفظ برقم هاتفك؟”
و لن اصحو حتى اعرج على أول يوم عمل حين ارسلت لي رسالة قصيرة تشكرني فيها… ثم على اول زيارة تاتي فيها لمكتبي… ثم حين طلبت مني ان اعمل معكم في جمعية البلدة… ثم ذلك الحديث عن اصرارك على الزواج في الثالث من آب… ثم اقترابنا من بعضنا… ثم ذلك الحلم… و المكاشفة… و الاعتراف… حتى اصل ليومنا هذا!!
و لو اردت ان ابدأ انطلاقاً منك، من وصفك، و وصف انجازاتك… و اجتهادك… و لو بدأت بسرد اسباب تميزك… فسوف لن تصدق انني اتحدث عنك! اتمنى حتى اليوم ان تمتلك و لو شيئاً من غرور كل اولئك الذين هم أقل منك!
و لو كتبت اليك اصف مشاعري، فسأفقد نفسي… و اتهاوى… و استسلم للشوق الجارف الذي يجتاحني اليك… لا، شكراً! احتاج قوتي و ثباتي حتى اتحمل عاماً آخر -أو اكثر- من فراقك!
لا أدري من أين أبدأ… لذلك فسأصف لك قليلاً ما يحدث لي حين تهمس لي “أحبكِ”… او لنكون أدقّ، “وَلِك بَحِبِّك”… مع نظرتك الهائمة التي تذيب جلاميد الصخر التي بداخلي… و تحيل قوتي و ثباتي الى استسلام… و ابتسامتك التي تجعلني ابتسم رغماً عني… و اتمزق بين خجلي و عدم قدرتي على احتمال الاتصال المباشر مع عينيك المحبتين، و لهفتي و شوقي لتلك العينين و رغبتي الجامحة لأحدق بهما للأبد…
ثم سأنتقل لأخبرك عن شعوري بخفقان معدتي حينما قلت لي ذلك اليوم: “احبكِ يا عروس…”، و عدم قدرتي على مقاومة الابتسامة رغم عدم فهم من حولي… و تساؤلهم عن سر هذه الابتسامة الطاغية…
ربما اخبرك ايضاً، كيف وقفت امام المرآة، و رفعت شعري، و تخيلت نفسي بفستان عرس ابيض، و تخيلتك بجانبي… تتأبط ذراعي… و تمسك بيدي شابكاً اصابعك بأصابعي، شاداً على يدي لتشجعني… يا الهي… كدت أراك بجانبي! هربت الدماء من اطرافي من روعة و هيبة الموقف… تمنيت لو كنت بجانبي حقاً لتحتضنني ضاحكاً و تناديني “عروسي”… سأخبرك ايضاً، انني نفضت رأسي جيداً لأتخلص من الصورة التي تخيلتها! من المبكر جداً ان افكر بهذه اللحظة!! علي ان اضع كل ما هو حالم خلفي الآن، و اتحلى بالقوة لانتظر… الم تردني دائماً قوية و صلبة؟ الم تكن انت دائماً قوياً و صلباً؟ سأكون كما تحب! دائماً كما تحب… هل ستكون انت ايضاً كما أحب؟ أظن ذلك… لأنني أعرف انك تحبني… اعرف ذلك دون ان تقول… اعرف ذلك فقط حين تنظر الي و تبتسم… تلك الابتسامة الساحرة… الآسرة… الرائعة… تلك الابتسامة التي تجعل قلبي يرتعش فرحاً… حين تكلمني عيناك دون حتى ان تأذن لها…
لن اقول مزيداً من “ربما”… فهذه اكيدة جداً… انا اعرف ماذا أريد… و اعرف من هو رجلي الذي لن ارتبط في حياتي بسواه…
تصبح على خير… يا ملاكي الأثير…
الانسانية… وجه آخر…
يونيو 27, 2009 at 10:31 ص | In Uncategorized | 5 Commentsطفل صغير… ينظر ببهجة الدنيا الى مجموعة الاطفال الذين يلعبون على الناصية… يضحكون… يضحك معهم، يركضون… يرى نفسه يركض معهم… يصحو من حلمه المؤلم، و يعود الى “بسطته” الصغيرة… ينادي على بضاعته البسيطة…
مشهد مؤلم… و نرى مثله الكثير في شوارعنا… في حاراتنا…
نثور لمشهد كهذا… قد نبكي احياناً… و نقرر ان نفعل شيئاً… نحتار… نضع بعض النقود جانباً، و نعطيها لأول شخص رث الثياب نراه، ربما كان متسولاً… او بائعاً متجولاً صغيراً…
لنقف مع انفسنا وقفة صريحة… و لنسألها: هل يكفي هذا؟
ربما لم اخبركم قبل اليوم انني اعمل في مجال العمل الانساني… في متابعة اللاجئين تحديداً… الذين ينحصر اغلبهم ضمن فئة متضرري الحروب و النزاعات القبلية…
و عملي هذا فتح عيني على جوانب غريبة في النفس الانسانية…
هل يكفي ان يكون الانسان مظلوماً حتى نتعاطف معه؟ و ما ادرانا ان هذا المظلوم قد عاش ردحاً من حياته ظالماً؟
هذه اللاجئة الهاربة من نيران الحرب… المكتوية بنار مرض السرطان… التي تساقط شعرها من العلاج الكيميائي… صاحبة لنظر الضعيف و النظارتين الزجاجيتين السميكتين… التي لا تجف دمعتها من عينها… تطلب اللجوء الانساني فتغلق في وجهها كل بلدان العالم و ترفض استقبالها! نثور نحن و نهيج… ان لم تقف بجانبها منظمة انسانية مثل منظمتنا فمن ينصفها اذن؟ يقف احد ضباط التحقيق في وجهنا بهدوء… و يقول: “انتم لا تعرفون شيئاً عن ماضيها… هذه العجوز المريضة كانت طبيبة… و كانت تساعد في تعذيب المساجين… هل تعلمون انها كانت تنتزع اسنانهم دون اي نوع من التخدير؟” … و لا تنتهي القصة هنا!… فلهذه العجوز اختان… هربتا من بلادهما الاصلية بعد الحرب… و تقدمتا للجوء الانساني… و لم يثنهما بقاء اختهما وحدها في بلد غريب لا يتحدث لغتها… فسافرتا و تركتاها!!
و تلك اللاجئة الهاربة من النزاعات القبلية في بلدها… تاتي للمنظمة تطلب اللجوء هي و زوجها و ابناؤهما… و برفقتهم اخو زوجها المختل عقلياً… من اول زيارة لهم للمنظمة يبدي اخو زوجها سلوكاً عدوانياً لا يخلو من العنف… فيقرر الاطباء ابقاءه تحت العلاج حتى تستقر حالته و يصبح اقل هجومية و اقل عدوانية و يصبح من الممكن له ان يركب الطائرة… تطول فترة علاجه… فتتصل زوجة اخيه بالمنظمة و تطلب فصله من ملفهم!! اسألها: “و هل ستسافرون بدونه؟” تجيب: “نعم! انه يؤخر سفرنا!”و نخبرها اننا لن نفصله الا بموافقة اخيه… و بعد يومين، يتصل اخوه بنا و هو غاضب، و يسألنا: “كيف تطلبون من زوجتي فصل اخي الأصغر عن ملفنا؟ نحن لن نسافر بدونه!! لا يحق لكم ان تطلبوا منها فصله لأنه معاق!” … و أسأل نفسي: “يا ترى كيف تفكر زوجته في نفسها و هي جالسة بقربه اثناء حديثه مع المنظمة و “تقريعها” و هي تعلم جيداً انها هي من طلب فصل اخا زوجها المعاق؟”
ليس العمل في المجالات الانسانية سهلاً ابداً…
على المرء حين يخوض هذا المجال، ان يضع عواطفه جانباً… و يستعمل ذكاءه، منطقه، و يرتب اولوياته…
الطفل المتسول… اعرف تماماً انني حين اعطيه نقوداً، فانني ارسل الى ابيه رسالة مفادها ان تجارتك هذه تجارة مربحة، و طالما ارسلت ابنك عارياً الا من بضعة خرق تستره ولا ترد عنه برداً و لا حراً… حافياً عرضة لكل يد تتناوله و تمتد اليه، فسيعود اليك بالنقود فيما تجلس انت مستريحاً خالي البال…
الطفل الذي يترك مدرسته و يعمل… الى اين سيصل؟ و ماذا سيوفر على ابيه؟ اقساط مدرسته الحكومية التي لن تتجاوز بضعة دولارات في بداية كل عام؟ ان اضطر للعمل فليعمل، لكن خارج ساعات المدرسة… و لعل اباه يتمكن من توفير اقساط مدرسته لو توقف عن حرق قليل الفتات الذي يصله على هيئة تبغ… ففي النهاية، الى اين سيصل هذا الطفل الذي يترك مدرسته و يجوب الشوارع متسولاً؟ سينتج “أزعراً” آخر… لا غير!
ربما علينا ان نكون اكثر حزماً معهم بالاضافة لكوننا اكثر تعاوناً… و اكثر بشاشةً و اقل تعالياً… ربما علينا ان نفهمهم انهم يتعبون كثيراً و يكدون حين يجوبون الشوارع يتسولون و يبيعون العلكة و المناديل الورقية… لكنه تعب لا يجدي اكثر من بضعة القروش التي بالكاد تشتري عشاءً… ربما نقنعهم ان يستبدلوا هذا التعب بتعب منتج في الدراسة و في اعمال حقيقية، كالبستنة، و المطاعم و محلات البيع المختلفة… و غسيل السيارات… المهن التي تدر دخلاً -ربما قليلاً- لكنه منتظم… و يمكن ان ترتقي بهم و تضاف الى سجلهم كخبرة -مهما كانت بسيطة- من الممكن ان يتحدث فيها مستقبلاً… ربما تكون البداية في ان نقتنع و نقنعهم، انهم منا، لهم ما لنا و عليهم ما علينا… و انه يمكن لكل واحد منهم ان يصل الى ما وصل اليه كل واحد منا…
و دمتم بخير
عودة…
يونيو 22, 2009 at 7:08 م | In Uncategorized | 13 Commentsطال غيابي عن زاويتي الحبيبة… و قبع قلمي في مخبئه محجماًعن كتابة الرسائل لفترة ما…
ليس لشيء، الا لأن الحكاية لم تنتهي بعد… بل ربما كانت في بداية فصولها!
نعم، تلك الحكاية التي ظننت انني سأكتب نهايتها كما اتخيلها، يبدو لي انها تحاول ان تكتب لنفسها مزيداً من الفصول!
لقد عاد الثالث…
لم يعد عودته النهائية، لكنه عاد في زيارة عمل… و قد اختلفت ظروفه بشكل كبير، و لعل اكثر ما يثير ارتياحي هو ان حدتها قد خفت، و الحمد لله…
لم يعد هناك خطر… و لم يعد هناك من يهدد بالضرب و الايذاء الجسدي ليدفعه للعودة، لكن العراقيل ما زالت في طريقه كثيرة، و كثيرة جداً… و ما زال أمامه الكثير من العمل…
عاد، محملاً بالشوق الي، و وجدني محملة بالشوق اليه…
دبرنا لأنفسنا صدقة كاذبة ليتواجد كلانا في احد المحافل الثقافية… لم نتحادث… لم نقف سوياً… لكن كلاً منا رأى الآخر، و كلانا بدا سعيداً منتشياً كالمراهقين الصغار، كل على حدة… كل وسط مجموعته… كان الكل مشغولاً بالمناسبة التي التقينا فيها… و لم يلحظ احد ان اثنين من الموجودين كانا يضحكان بسعادة… يتظاهران بالمشاركة… الا انهما كانا ذاهلين عن كل شيء آخر… و لم يركز اي منهما الا في وجود الآخر…
طلب مني ان نلتقي… و كعادتي تظاهرت بالرزانة، و طلبت اليه ان نتروى… و شرحت له انني لا اريد ان استعجل وضعنا في دائرة الضوء مرة اخرى، دون ان اخبره بأن اقصى ما اريده هو ان ارى وجهه الحبيب عن قرب… شرحت له اننا ان التقينا في مكان عام سيكون الأمر كأن نصبح فجاة على خشبة مسرح امامها جمهور غفير من نساء بلدتنا الثرثارات اياهنّ و تضاء كل الكشافات و تسلط علينا وحدنا… مذهولين، و واقفين على خشبة المسرح الجرداء الصلبة الملساء، و الف عين تحدق بنا، و خمسمئة لسان يثرثرون بخمسمئة قصة ليس منها قصة واحدة تسرّ البال… رغم ان الواقع كان مختلفاً… فانا، كعادتي اشعر امامه كطفلة صغيرة ضائعة، اشعر بانني ارتجف خوفاً و ضعفاً، و اتمنى ان يحتضنني بشدة و يحملني بعيداً… بعيداً جداً الى مكان ليس فيه سوى هو، و أنا… يتركني اهذي قليلاً بذعر… يواسي قلبي الخائف… و يمسح بأصابعه الحانية دموعي المالحة… و يمسد خصلات شعري، و يطمئنني انني لا يجب ان اخاف و أنا بقربه أبداً… ينظر في اعماق عيني بعينيه الدافئتين… يرمقني بتلك الابتسامة التي تسكتني و تأسرني… و يقول لي: “بحبك”… بتلك الرنة العميقة و ذلك اللحن المحبب…
لو اخبره كل ذلك بالتفصيل، رغم انني اعرف انني لا احتاج ان اقول له ليعرف…
كل ما قلته له هو انني لا اريد ان يعرف احد اننا عدنا سوياً الا حين يدعى لعقد قراننا…
اعتقد انه رأى كلامي منطقياً، أو أنه لم يرد ان يضغط علي… فرضخ لارادتي قليلاً…
لم اجرؤ ان اخبره ان الجو من حولنا مشحون… و ان الكثير من الفرسان الأشاوس قد تجرأوا و خاضوا الميدان خلال غيابه، و تقدموا لطلب يدي… و رفضت طبعاً، لأن احداً منهم لم يكن يرقى لمكانه… و لا بأي مقياس…
وقعت فريسة الحيرة… فها هو من انتظرت عودته بفارغ الصبر على مقربة شديدة، لكنني اجلس مقيدة اليدين عاجزة… لا اجرؤ على شيء! لا استطيع ان اترك نفسي اقع في فخ “الخطبة”… فرغم انه افضل الحلول الموجودة الآن، الا انه سيغرقني في مزيد من الوحل… الوحل الاجتماعي… ضغط الأسرة، الناتج من ضغط المجتمع حولها… فانا اعرف تماماً ان الثالث لن ينتهي من دراسته سريعاً… ربما ما زال امامه اكثر من عام… عليه ان يحصل بعدها على عمل و يبدأ بالتجهيز للزواج… و كل ذلك سيأخذ وقتاً، و كلما طال الوقت سيكثر الهمس… و كلما كثر الهمس المنتثر في الفضاء، سيكثر الهمس المتسرب الى مسمع امي… ذلك الهمس الخبيث الذي يتخذ شكل “النصيحة”… و أمي المحبة لن تجرؤ ان تخرس اولئك الثرثارات و تقول لهن: “لتنصرف كل منكن لشأنها قبل ان ابدأ بالثرثرة حول المصائب التي تعرضنها في بيوتكن”، بل ستخاف علي… و ستبكي مراراً، و هذا سيحطم اعصابي… و سيبعثر ابتسامتي و يسرق مني تألقي امامه شيئاً فشيئاً… و نعود لنقطة الصفر… و نلبي للنساء الثرثارات امنيتهن، و ننفصل…
ماذا سأفعل؟
و كيف سأفسر رفضي لكل اولئك الفرسان المتقدمين، المبهورين بأنفسهم؟
ففي النهاية، حصل ما كنت اخشاه… و سألني أبي: “هل ترفضين على امل ان يأتي احد ما في بالك؟” و طبعاً انكرت ذلك بشدة!! و حالفني الحظ لألتقط ملاحظات تبرر رفضي…
لكن الى مت سيستمر الامر هكذا؟
اريد ان نبقى متباعدين، الى ان نكون جاهزين للارتباط برباط الزواج المقدس… لأننا ان قعدنا قراننا، فلن يجرؤ احد ان يفتح فمه بكلمة… بالذات ان كل اولئك “الناصحات” اما ان يكون ابن احدهن قد تقدم لطلب يدي، او ان تكون قد رشحتني لقريبها، او ان تكون متعاطفة مع احد من النوعين السابقين… كلهن بلا استثناء… لذلك، فالدوافع بالنسبة لي اصبحت واضحة لمساعيهن، و لن اتردد وقتها باعلان ذلك امام الجميع، و بالذات عائلتي…
و في قمة زوبعتي… و من ضمن تحضيراته لدرجته العلمية، عقد الثالث مؤتمراً…
اعد له الكثير من التحضيرات… اتصل من اجله بالكثير من الوجهاء… حضر الكثير من الأبحاث… و يوم المؤتمر، جلس هو على رأس الطاولة… وسيماً… متألقاً… و قوراً رغم شبابه… آسراً… واثقاً من نفسه رغم ادارته لمؤتمر يتحدث فيه وجهاء بعضهم رجال دولة، و بعضهم رجال جيش… و بعضهم موظفو هيئات دولية مرموقون…
توسطهم هو بكل تواضع لا يخلو من ثقة…
هنا، و فقط هنا، فهمت تماماً ما عليّ فعله!
سألجأ الى ذات الصومعة التي عزلتني عن كل من سواه من قبل، و قربته مني!
سأزيد الصدع العميق الذي يفصلني عن العالم عمقاً… و ازيد اقتراباً من جزيرته التي يقف عليها وحيداً…
سأعود الى صومعتي و اختبئ هناك… بين الكتب، خلف الرفوف…
سأذوب في ذلك الزحام و اختبئ كواحدة اخرى من البقية… و انا ابتسم بيني و بيني نفسي لأنني اعرف ان ذات الزحام الذي يخفيني هو نفسه الذي يزيدني تفرداً…
سأعود الى الجامعة!
سأحصل على درجتي العلمية التالية…
سأشغل وقتي بين العمل و الدراسة، سأجد ما يملأ وقتي و تفكيري، و سأزيد الهوة التي تفصلني عن اي احد آخر اتساعاً…
سأعزل نفسي على قمة جبل…
ففي النهاية، ان لم يشأ المولى سبحانه و تعالى ان يجمعني بالثالث، و ان طرق احدهم باب صومعتي العالية التي اعتزل فيها، فسأعرف وقتها انه تسلق الجبل الوعر الذي سكنته باختياري حتى يطرق بابي!
وقتها، سأعرف انه يستحق فرصة…
و في النهاية، فكل ما يحدث في الحياة لا يحدث الا بمشيئة الله تعالى…
و لن يضيع مني شيء ليس لي أصلاً!
المدونة لدى WordPress.com. | Theme: Pool by Borja Fernandez.
Entries and comments feeds.
